خيرى منصور
قد يرى البعض من مراقبى السياسة الخارجية الأمريكية إزاء العالم العربى ومصر بشكل خاص أن عبارة laquo;ما أشبه الليلة بالبارحةraquo; مناسبة لتوصيف ما يحدث، فالمراوغة هى ذاتها،
رغم تحديث أساليبها ومحاولات تجيير الحركات الشعبية وامتطاء موجاتها كنموذج لبراجماتية منزوعة القيم وإن كان ما قالته الوزيرة هيلارى كلينتون فى موقفين وخلال شهر واحد يذهب بهذه البراجماتية الى أقصى ما يمكن تصوره من الذرائعية السياسية، فهى وصفت النظام الأسبق فى مصر، عشية اندلاع الحراك الشعبى الواسع، بأنه مُستقرّ، ثم تحوّل موقفها مائة وثمانين درجة حين قالت إن قيم بلادها تلتقى بمبادئها .
أما الإدارة الأمريكية فقد كانت بوصلتها شبه معطوبة، وهى تحاول أن تتجه نحو الشارع والقصر الرئاسى فى اللحظة ذاتها، وانتهى انتظار رجحان كفة الشارع على كفة النظام الى اتخاذ قرار سريع من أوباما، عبّر عنه بتلك المفردة الحاسمة وهى laquo;الآنraquo; عندما طلب من الرئيس مبارك التنحى دون تأجيل .
ولدينا الآن من الأسباب ما يكفى للعودة مجددا لفتح الملف الذى تجاوز عمره ستة عقود، وربما قبل ذلك إذا تذكّرنا ما كتبه البروفسور الأمريكى لويد جاردنر عن لقاء الملك فاروق مع الرئيس الأمريكى روزفلت وعبّر الملك فاروق عن صدمته واستيائه من ذلك اللقاء الذى كان يتصور بأنه مجرد دردشة، لأن روزفلت بدأ يقدم المواعظ للملك، لكن بأسلوب يشى بالتدخل السافر فى شئون البلاد والعباد، يروى البروفسور جاردنر فى كتابه laquo;مصر كما تريدها أمريكاraquo; الذى ترجمته د . فاطمة نصر، أن دالاس فى أول زيارة له الى الشرق الأوسط عام 1952 توجه الى القاهرة وأهدى اللواء محمد نجيب مسدسا، وحين عرف ونستون تشرشل بالخبر طلب من الرئيس الأمريكى ايزنهاور وراعى سياسته الخارجية دالاس تقديم تفسير لهذه الهدية فأجاب إيزنهاور : انه مجرد مسدس وليس سربا من الطائرات !
وما كان لعبد الناصر ورجال يوليو أن يشعروا بالخذلان من سياسة الولايات المتحدة ويتجهوا شرقا، بهدف التسليح لولا أن واشنطن مارست المراوغة نفسها، واشترطت على مصر عقد صلح مع إسرائيل، فالولايات المتحدة حين تقدم سلاحا حتى لمن توهمهم بأنهم حلفاء لا تحدد فقط الجهة التى تتحرك نحوها فوهات البنادق، بل تتدخل فى تحديد الأصبع الذى يضغط على الزناد، ونذكر للمثال فقط أن صفقة تسليح عقدت بين العراق وبريطانيا عام 1954 وفى العهد الملكى قبل الثورة بأربعة أعوام اثارت استنكارا وسجالا واسعا بقيادة اللوبى اليهودي، وكان ملخص هذا السجال هو أن السلاح يبقى محايدا، وقد يحدث فى العراق تغيير سياسى يغير بالضرورة وظيفة هذا السّلاح، حدث ذلك قبيل ثورة 1958 العراقية، التى سبقها خلاف بين لندن ورئيس الوزراء يومئذ نورى السعيد حول ما سمى خطة الإعمار .
أما الثرثرة الأمريكية حول منظومة القيم والمباديء فهى لا تصمد دقيقة واحدة أمام اكثر من أربعين فيتو استخدمت بانحياز مفرط لإسرائيل حتى فى أثناء مذابح ومجازر لم تكن قانا سوى حلقة من مسلسلها، ونذكر الثمن الذى دفعه الأمين العالم للأمم المتحدة يومئذ د. بطرس غالى لأنه رفض شهادة الزور .
ولو شئنا استذكار أمثلة للدلالة على المضى بالبراجماتية نحو اقصاها والضرب بالقيم عرض الحائط وعرض التاريخ معا، فسوف نجد المئات بل الآلاف، لكننا نتذكر ما قاله هنرى كيسنجر عن الرئيس الراحل انور السادات، فقد وصفه خلال وبعد حرب أكتوبر بالرّعونة والمغامرة ثم عاد ليصفه بعد معاهدة كامب ديفيد بالحكيم وغاندى العرب، ولو بقى السادات حيّا واضطر إلى خوض حرب أخرى لعاد كيسنجر مجددا لوصفه بالرعونة والمقامرة بشعبه .
لقد خيّب المصريون العديد من الرهانات الأمريكية وغير الأمريكية ايضا على استمرار حالة الاستنقاع السياسى وتسميتها الاستقرار، كما أنهم تمردوا على حالة الارتهان الاقتصادي، وحين فتح باب التبرع الوطنى فوجيء العالم بإقبال المصريين لتلبية النداء رغم عسر الحال لدى شرائح واسعة منهم، ولأن الشبه قائم لا محالة بين اليوم والبارحة تذكر الناس على الفور عبارة الزعيم الراحل عبد الناصر عن الخمسين مليون دولار التى كانت أمريكا تقدمها لمصر فى ذلك الوقت، فقد قال ناصر بالحرف الواحد : laquo;على الجَزْمةraquo;، ذلك لأنه يعى ما ورثناه عن أسلافنا وهو أن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها .
أكثر من ستة عقود هى الفاصل الزمنى بين توجه مصر شرقا بسبب الخذلان الانجلو - أمريكى وبين ما يحدث الآن، لكن ما تغيّر هو حيثيات ميدانية منها تمويل السدّ العالى والموقف السلبى للبنك الدولى المسيّر امريكيا، ومنا أيضا التسليح .
نعرف جيدا أن التاريخ لا يتكرر بحذافيره وأن تكراره محكوم بثنائية الكوميديا والتراجيديا، لكن ما يتكرر الآن هو التناقض الامريكى بين القيم والسياسة، فالقيم مرنة مطاطية، تتمدد وتتقلص وأحيانا تتلاشى لصالح الاستراتيجيات الذرائعية . ونعرف أيضا أن الخمسينيات القاهرية ليست كالعقد الثانى من الألفية الثالثة، فالحرب الباردة بعنفوانها لم تعد قائمة .
والاتحاد السوفيتى لم يعد القطب الفولاذى لكن ما تخلّق فى روسيا خلال العقد الأخير على الاقل بعث الدفء فى الدبّ الذى لم يمت وانما كان فى سبات مؤقت، كما أن الايديولوجيا لم تعد هى مرجعية الحراك الدبلوماسى وديناميات الاستقطاب اليوم بين موسكو وسائر العواصم .
وما يجب التنبيه اليه أكثر من مجرد التذكير به هو أن العالم الآن يتجه نحو التعددية القطبية وليس هناك طرف يضع البيض كله فى سلة واحدة، وإن كان هناك تناغم بديل للايديولوجيا والتبشير بها بين روسيا والعالم العربى بدءا من مصر فهو أن البلدين فى طور الصّعود، فروسيا تعيد تعريف مصطلح البروسترويكا الذى شهره جورباتشوف، الذى كان يعنى عمليا إعادة الهدم وليس إعادة البناء، أما مصر التى أوشكت على تفكك الدولة وهى الأقدم فى التاريخ فانها الآن تجتاز واحدا من أعسر اختباراتها فى التاريخ. إنها باختصار تستبدل الوظيفة بالدور وتستعيد ما أنيط بها على الدوام من دور فاعل على صعيديّ الإقليم والعالم .
إن التناقض على التخارج فى السياسة الأمريكية بين القيم والمصالح بدأ منذ بشرت امريكا بمرحلة تصفية الاستعمار عقب الحرب العالمية الثانية، وما حدث بالفعل هو إعادة انتاج الكولونيالية لكن بطبعة جديدة، انيقة ومنقّحة، وانتهى المطاف بتلك القيم الى أن تحطمّت فى آسيا بدءا من فيتنام حتى العراق .
إن اتجاه النيل شرقا ليس مصطلحا جغرافيا رغم أن الجغرافيا هى تاريخ صلب، أو تاريخ إصابه التخثر كما يقول واحد من أبرز مؤرخى عصرنا، والمطلوب أمريكيا من مصر هو ان تبقى داجنة فى محليّتها ومستغرقة فى شجونها الاقتصادية وأزماتها ومعركتها الآن هى العصيان على هذا المطلب لهذا تستدعى احتياطيها الاستراتيجى القومى الذى يتجاوز الاعانة الاقتصادية الى ما هو أهم وأنبل، ويبدو ان حروب الاستقلال فى عصرنا أطول مما يظن سادة الفقر ومنتجو الارتهان كما سمّاهم خبير البنك الدولى هانكوك .














التعليقات