القاهرة – أمينة خيري: قل مساعدة أو إتاوة أو «المعلوم» أو شيء لزوم الشيء» أو «شراء راحة» أو «تخليص معاملة» أو «تجنّب تعطيل» أو «تسريع إنهاء» أو حتى «صدقة». ولا تقل رشوة، فـ «الرشوة والعياذ بالله هي تلك المبالغ الكبيرة التي تدفع لإنجاز الأعمال» أو «الهدايا العينية التي تفرض لسداد الخدمات غير القانونية» أو «المعاملات المادية التي تنطوي على أعمال ضد القانون». أما الـ5 أو الـ10 أو الــ20 أو الــ50 أو حتى الــ100 جنيه التي تدفع لـ «موظف غلبان» أو «مهندس كحيان» أو «عامل عدمان»، فهي «مجرّد وسيلة لإنهاء المعاملات ومساعدة الضعفاء الله حليم ستار»!
&
و»لولا ستر ربنا لكنت محبوساً الآن ظلماً وجوراً»، يحكي سائق الأجرة قصته المتكررة مئات المرات في مختلف الطرق. استوقفته لجنة مرورية حيث ثبت انتهاء رخصة القيادة، ما يعني ضرورة سحب الرخصة. ويستلزم تجديدها «وقف حال ويومين عطلة من العمل» إضافة إلى الغرامة المالية. فقد آثر السلامة، ووضع 50 جنيهاً أسفل الرخصة وسلّمها لأمين الشرطة. وكادت الأمور تسير على ما يرام، لولا الضابط «إلي عامل فيها بتاع ربنا» والذي رأى ما حدث، وهدد وتوعّد، لولا تدخّل الواقفين للاكتفاء بسحب الرخصة والتغاضي عما سماه الضابط بـ»الرشوة».
&
الرشوة (سابقاً) الـــ «شيء لزوم الشيء» حالياً لم يعد حالات فردية أو ظواهر شعبية، بل بات جزءاً أصيلاً ومكوّناً عتيداً من تفاصيل الحياة اليومية في أنحاء مصر، لدرجة أن المعاملة الحكومية لو أُبرِمت من دون «المعلوم» شعر المواطن أن الأمر مريب والوضع غريب.
&
غرابة تأصّل الرشى في مصر جنباً إلى جنب مع توغّل ما يسمّى بالتديّن الفطري وتعمّق ما يصنّف بالتديّن المتنامي، تنقشع وتتبدد حين يعرف السبب.
&
مدحت إبراهيم (موظف متقاعد) يتردد ليصلي الجمعة في أحد مساجد مصر الجديدة الشهيرة والكبيرة، منذ أكثر من أربعة عقود. يقول: «توالى علينا عشرات الأئمة والخطباء، ولا أذكر أن أحدهم تحدّث من قريب أو بعيد عن منظومة الرشى الفاسدة الآخذة في الانتشار. يتحدثون عن النساء، الكحول، الصوم، الصلاة، الحج، وصلة الرحم، وكثيراً ما يعرّجون على مواضيع وقضايا توقفت عن السريان قبل قرون. لكنّ أحداً لا يتحّدث عن معنى العمل، وقيمة الضمير، وتحريم الرشى».
&
الرشى التي لا تفرّق بين غني وفقير، أو رجل وامرأة، أو كبير وصغير من يبرر وجودها، ويعلل سريانها، ويشجع استمرارها، بل ويعلي من شأنها. أحدهم يقول مبرراً تقاضيه «ما تجود به الأنفس» أثناء إنهاء معاملات في «هيئة التأمينات» حيث يعمل: «لا أجبر أحداً على الدفع. لكن بعضهم يوّد أن يشكر الموظف على جهده أو يشجعه على أدائه، فيبادر إلى ذلك. أعتبرها نوعاً من التكافل الاجتماعي».
&
لكن التكافل الاجتماعي الذي تضطر إلى انتهاجه أرملة فقدت زوجها وداخت «السبع دوخات» على مكاتب التأمينات والمعاشات لتصرف راتبه الضئيل الذي لا يسمن أو يغني من جوع، تعرّفه هي بـ «الإتاوة». وتقسم أنها دفعت قيمة معاش شهر كامل للموظفين اتقاء لشر الجولات التي لا تنتهي على المكاتب، مع التذرّع بحجج واهية لتظل تبحث عن توقيع مسؤول هنا، أو الحصول على موافقة جهة هناك.
&
وهناك في برلين حيث منظمة الشفافية الدولية التي أصدرت تقريرها السنوي عن «مؤشر مدركات الفساد» قبل أسبوعين، أفادت أن مصر تقدّمت من المركز الــــ 114 إلى الموقع الــ 94 بين 175 بلداً شملها التقرير. وقد اعتبر بعضهم ذلك تحسّناً في أداء مصر من حيث مواجهة الفساد ومجابهته، لا سيما أن أبرز عوامل اشتعال «ثورة يناير» يتعلّق بالفساد والمحسوبية والرشوة وانعدام العدالة الاجتماعية.
&
لكن بعضهم الآخر لا يرى ذلك مترجماً على أرض الواقع، لا سيما أن فورة انعدام الرشى ويقظة الضمير ودعوات عدم دفع أكثر مما هو مطلوب بالحق والمستحق، تبددت في رياح الخريف الذي أطاح بأجواء الربيع وهدم أحلام الجميع في حياة يومية منزوعة منظومة «اشرب شاي».
&
الشاي المتحوّل من مشروب شعبي إلى نهج وطني بات حقاً أصيلاً وصك مرور لعالم إنهاء المعاملات. يحكي الدكتور يحيي فوزي (طبيب صحة) قصته مع «الشاي». فقد اشترى عيادة في عمارة جديدة في حي راق، وبدأ رحلة تجهيزها من حيث خطوط الهواتف والسجلات الضريبية وعدادي المياه والكهرباء. وكان أحد أولئك القلائل الذين بقوا على عهد التعهّد الشعبي المبرم في أعقاب «ثورة يناير» بعدم دفع رشى. يقول: «عانيت الأمرَين وبدلاً من أن أنجز المعاملات في شهر أنجزتها في شهرين، وذلك لإصراري على عدم دفع الرشى، ما ألحق ضرراً كبيراً بعملي وعيادتي ومرضاي وأسرتي وصحتي». ويضيف: «في المعاملة الأخيرة التي كان يجريها موظف تبدو عليه علامات التقوى والورع، ملأ مسامعي جملاً وعبارات لا تحصى عن واجبه الذي يؤديه على أكمل وجه على رغم ضيق ذات اليد، وعمله الذي ينجزه بأحسن شكل على رغم أن الراتب لا يطعم قطة، وساعات العمل التي يملأها اجتهاداً ابتغاء رضا ربه. وبينما أدفع له القمية المستحقة التي طلبها مني قال لي: طيب وفين الشاي بتاعي؟ وعلى فكرة أنا أشربه سادة وليس بالياسمين»!
&
وكانت النتيجة أن الدكتور فوزي نبذ العهد الثوري وتخلّص من سقم الانضباط وشفي من داء مقاومة الفساد، وسدد مصاريف الشاي السادة وبنكهة الياسمين.










التعليقات