إياد أبو شقرا

كنت أتمنى سماع رأي مختلف في خضمّ الآراء والتعليقات التي ينقلها الإعلامان المصري والعربي عن كارثة سقوط (أو إسقاط) الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء، لكن ما سمعته حتى الآن مخيّب للآمال حقًا، إذ لا يجوز الإنكار والتراشق بالتهم في قضايا تتعلق بالصالح العام، والدول الطامحة إلى الأفضل دائمًا ما تقدّم الصالح العام على أي اعتبار آخر، مهما كانت الحقائق مؤلمة أو خيبة الأمل من «الأصدقاء» و«الحلفاء» كبيرة.


من منطلق محلّي بحت، قد يكون للانتقادات المصرية لمواقف بعض الدول الغربية ما يبرّرها؛ ذلك أن السياحة قطاع حيوي بالنسبة للاقتصاد المصري، إذ توفّر أكثر من 11 في المائة من إجمالي الناتج القومي، ونحو 14 في المائة من العملة الأجنبية (الصعبة). ثم كون الحادث يتعلّق بطائرة ركاب تقل سياحًا من روسيا، وكون بريطانيا أول دولة غربية تحرّكت لإجلاء سياحها من سيناء يزيدان الصورة قتامة إذا ما علمنا أن السياح الروس (ثلاثة ملايين سائح في العام الماضي) والبريطانيين (مليون سائح) يشكلون نسبة عالية جدًا من السياح الأجانب الذين بلغوا 9.9 في المائة في العام الماضي، 2014.


ثم لا ننسى أن القطاع السياحي المصري شهد أزمة حادة ترافقت مع الأحداث المتلاحقة منذ يناير (كانون الثاني) 2011. وأدّت الانتفاضة التي حدثت في يناير وما تلاها من تطوّرات أمنية وسياسية إلى ركود مؤلم استدعى مُسارعة عدة دول، على رأسها دول خليجية شقيقة لمصر وحريصة على استقرارها، لدعم الاقتصاد المصري ومساندته في الظروف الحرجة التي كان يمرّ بها. ولكن عندما أخذت الأمور تميل إلى الهدوء النسبي الذي سمح بإجراء انتخابات عامة، نجحت القوى الإسلامية المعتدلة والمتشدّدة بتحقيق نجاحات لافتة حتى في المناطق السياحية التي تعتمد اعتمادًا شبه كلّي على الأجانب، وبالأخص، شبه جزيرة سيناء وشاطئ البحر الأحمر. وهو ما فاجأ بعض كبار رجال الأعمال المصريين، حتى إن أحدهم علّق صراحة مستغربًا: كيف يُقدم مواطن على «قطع عيشه»؟ حسب تعبيره.


والواقع أن نسبة لا بأس بها من القوى الشعبية التي اعترضت على توجّه حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي نحو ما وصف بـ«التمكين» كانت قلقة جدًا من التأثيرات الاقتصادية السلبية لطروحات جماعات إسلامية أو إسلاموية على القطاع السياحي الحيوي بالنسبة للبلاد. ومعلومٌ أن تلك الطروحات تراوحت في حينه بين التضييق على الممارسات والحريات الشخصية.. ومطالبة بعض المشايخ المتطرفين بهدم الأهرام وأبو الهول. وبالفعل، تشير التقارير الواردة من مصر في المرحلة التي سبقت تحرّك يونيو (حزيران) الذي أنهى عهد الرئيس مرسي إلى ارتباك الاقتصاد واشتداد الضائقة المعيشية.


أما خارجيًا، فكان هناك تضارب في تقييم العواصم الغربية الكبرى لسير الأوضاع في مصر؛ فبينما رأى قادة ومحلّلون ضرورة سير مصر بالتجربة الديمقراطية بحلوها ومرّها حتى النهاية، بمعنى إكمال القوى الإسلامية الحاكمة فترتها في السلطة وتحمّل الناخب تبعات خياره كجزء من نضج تعايشه مع مؤسسات الديمقراطية، كان هناك رأي آخر. واعتبر أصحاب هذا الرأي الآخر أن أداء القوى الإسلامية في السلطة ينمّ بدوره عن نقص في النضج السياسي، وأنها مضت في طريق احتكار السلطة وقطع الطريق على تداولها، فاعتمدت «شكل» الديمقراطية وتجاهلت «روحها» القائمة على «قواسم مشتركة» و«تفاهمات عريضة» حول هوية مصر الوطنية والقومية، والأسس العامة لدولة القانون، وضوابط العملية السياسية وعلاقتها مع مؤسسات تلك الدولة.


في مطلق الأحوال حصل التغيير في يونيو، ومن ثم، بدأ عهد جديد في مصر.. له من يؤيده وله من يعارضه.


الشأن الداخلي لمصر يعني المصريين أولاً وأخيرًا. أما نحن العرب وغيرنا من شعوب العالم ودوله، فيعنينا أمران اثنان: الأول، استقرار مصر بما له من تداعيات على الأمنين الإقليمي والعالمي. والثاني، إدراك مصر مسؤولياتها العربية والإقليمية والدولية، ما يتيح لها ممارسة الدور الذي يليق بها.


في اعتقادي، بخلاف ما سمعته وسمعه غيري، خلال الأيام الأخيرة، لا توجد «مؤامرة» على مصر، لا بسبب موقفها من الثورة السورية ولا نتيجة لعلاقاتها الوثيقة بموسكو. بل ما أعلمه أن علاقات مصر مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا - حتى الآن - جيدة، بل جيدة جدًا، وبالتالي، لسنا هنا بصدد استنهاض اصطفافات «الحرب الباردة» ومفرداتها.


ثم إن الإرهاب والتطرّف والتشدّد الديني الذي تقول مصر إنها حالات مُعادية لها وتخوض ضدها حربًا وجودية، هي أيضًا حالات عدائية للغرب أيضًا، ولا حاجة للتكلم طويلاً عمّا شهدته نيويورك وواشنطن.. ثم لندن وباريس، منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001.


أضف إلى ذلك، أن أي سلطة في العالم إنّما تستمد «شرعية وجودها» من قدرتها على حماية مواطنيها، سواء داخل أراضيها أو في مختلف أنحاء العالم. ومن ثَم، في صميم واجبات أي دولة معنية بحوادث شبيهة بكارثة سقوط الطائرة الروسية، أو إسقاطها، ممارسة أقصى درجات الحرص على ضمان سلامة مواطنيها بغض النظر عن أي اعتبار آخر. ولا أحسب أن الأمر كان سيختلف لو وقع الحادث في إندونيسيا أو البرازيل أو قبرص.


وأخيرًا، في حالة بريطانيا بالذات، لا تتعمّد حكومات الدول الكبرى إحراج ضيوفها من الرؤساء والقادة أثناء زياراتهم الرسمية، فهذا شأن بروتوكولي، ناهيك من كونه يسيء إلى العلاقات السياسية والاستراتيجية. وعليه، فإن تلميح بعض الأصوات إلى «تعمّد» لندن إحراج الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء زيارته كلام أقل ما يقال فيه إنه غير لائق.


إن استقرار مصر مسألة غاية في الأهمية لكل عواصم العالم. وسواء كانت هذه الحكومة أو تلك راضية عن سياسات القاهرة أم لا، فإن حجم مصر وما تؤثر فيه وما تتأثر به.. عوامل لا يمكن تجاهلها.
المهم صون هذا الاستقرار، وهذا لن يتأتى بالإنكار والمكابرة، بل بتبنّي سياسات حكيمة تربط الأمن بالحوار والانفتاح والسلم الأهلي والوحدة الوطنية، بحيث تتبدد البيئات الحاضنة للعنف والإرهاب.
&