إميل أمين

شيء ما يلفت النظر في أحداث العالم المتسارعة في الآونة الأخيرة، إذ يبدو العالم القديم بأقطابه ومراكزه، ومعها تخومه وتوابعه، في حالة عودة إلى الصراعات القديمة، وإنْ بآليات حديثة، وحروب وكالة، وأحلاف مستجدة، على الساحة الشرق أوسطية بشكل خاص.


يلاحظ المرء أن الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو تكاد تتحول إلى ساخنة، والناتو يشحذ أسنانه في انتظار وقوع روسيا الاتحادية فريسة، بل إن البعض ينحو لاعتبار ما يجري في سوريا وتركيا، فخًا منصوبًا لبوتين، ولقطع الطريق على الدب الروسي المتجه بثقله الاستراتيجي ناحية المياه الدافئة في المتوسط، ذاك الحلم الذي سيطر، ولا يزال، على عقول الروس، منذ زمن بطرس الأكبر وكاترينا العظيمة، وحتى الساعة.


يتفهم المرء ما يجري على أنه صراع قوميات، وتصادم مصالح استراتيجية، بين الأقطاب القائمة وتلك المقبلة، لكن المدقق في المشهد يلحظ أنه في وسط النيران المشتعلة تكاد الصين، التنين الأكبر والأشهر، الذي تتحدث تنبؤات المتنبئين عن دوره القادم، تكاد تكون صامتة لا يسمع لها صوت، ما يدعو للتساؤل: ماذا وراء صمت الصين المدوي إن جاز التعبير؟
قبل بضعة أسابيع، سرت في الأجواء الدولية شائعات بشأن إرسال الصين أساطيلها وقواتها البرية للمشاركة في مواجهة «داعش»، غير أن الصين أنكرت رسميًا هذا الكلام.
هل ما يجري في سوريا والعراق شأن لا يهم الصين ومستقبلها القطبي حول العالم؟
يمكن القطع بداية بأن الصين لا تتحدث أبدًا عن رؤى أو استراتيجيات تتصل بكونها قطبًا قادمًا، إنها إمبراطورية كونفوشيوس وصن تزو، التي تؤثر العمل في صمت، ولا تميل إلى القعقعة التي لا تنتج طحنًا.
تمضي الصين في طريق بسط سيطرتها على العالم عبر توازن الردع النقدي تارة، والتقدم العلمي تارة أخرى، لا تستعجل الوقت، فالصبر الإمبراطوري العتيد يدفعها لأن تنتظر، كما قال رئيس وزرائها شوان لاي ذات مرة، ألف عام، لحل أي إشكالية، من دون التطلع إلى المواجهات الساخنة، أو خوض المعارك العنترية.


لا يسمع للصين صوت في واقع الأمر في هذه الأيام، انطلاقًا من حكمتها الموروثة، فصن تزو، في كتابه الأشهر «فن الحرب»، يؤكد أن «ربح معركة بالسلام، أفضل من ربح ألف معركة بالحرب»، وعند حكيم الصين ومعلمها الأول كونفوشيوس أنه «لا تذهب لعدوك من أجل قتاله، بل انتظر على شاطئ النهر واجلس هناك، وحتمًًا ستجد جثته طافية وآتية إليك».


تدرك الصين أبعاد المشهد العالمي تمام الإدراك، وتعرف جيدا أن المؤامرات الغربية تحاك ضدها، من أجل إفشال قطبيتها القادمة بلا شك، ولعل المطلع على الاستراتيجية الأميركية للمائة عام المقبلة، يدرك كيف أن «صبغ العالم بصبغة أميركية» لا بد أن يتحقق من خلال «الاستدارة نحو آسيا»، إنها لعبة الصراع الأزلي بين الأرسطية القديمة التي تحكم العقلية الغربية، والكونفوشيوسية التي تؤمن بالتنوع والتعدد في إطار الكل الواحد. عند الصينيين موهبة نادرة، هي التعلم من مزايا الآخرين دون غطرسة القوة التي تقتل أممًا وحضارات، ولهذا ربما أدركوا رؤية أحد حكماء أميركا وكبار منظريها المعاصرين، الذي يأتي في الترتيب بعد هنري كيسنجر، ونقصد به زيجنيو بريجنسكي، مستشار أميركا الأسبق للأمن القومي، الذي يرى أن تأثير أي دولة عظمى يرتبط بعدة عوامل للقوة، وهي بالترتيب:
القوة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي. وقوة التلاقي على هدف محدد ثم تجيء القوة المسلحة وإمكاناتها.


هل يعرف القارئ الآن لماذا لا تفاخر الصين بقدراتها العسكرية، رغم امتلاكها، بالحسابات العددية، الجيش الذي يضم ملايين الجنود، ولديها من الأسلحة النووية ما هو كفيل بردع أية دولة مهما كانت؟
أولويات الصين اليوم هي القوة الاقتصادية، والهدف هو بناء دولة عصرية، وأخيرًا هي لا تهمل القوة المسلحة، لكن بطريقة عبقرية، إذ لا تجهد نفسها على سبيل المثال في بناء «حاملة طائرات»، على غرار الحاملة الأميركية «هاري ترومان»، في حين أنها تبتكر صاروخًا لا يتجاوز ثمنه بضعة آلاف دولار كافيًا لإغراق أية مدمرة مدمرة.


هل صمت الصين يعني أنها ستكون بعيدة عن المواجهات العسكرية العالمية الحالية؟
ربما لن يطول انتظار الجواب، فالصراع مع الولايات المتحدة، يمكن أن ينشأ بين لحظة وأخرى بسبب بحر الصين الجنوبي، لا سيما بعد أن مرت حاملة صواريخ أميركية على بعد 12 ميلاً بحريًا من شواطئ الصين، وحلقت طائرات فوق المياه المتنازع عليها.
&