قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خليل حسين

من الواضح أن ثمة محاولات تركية متعددة، جرت سابقاً، لاتخاذ مواقف متمايزة في الأزمة السورية، اختلفت باختلاف الوقائع والظروف في كل مرحلة منها. إلا أن اللافت في بعضها، ازدياد منسوب العمل على إنشاء منطقة حظر في الشمال السوري، في ظل تضارب مصالحها وتقاطعها مع مصالح اللاعبين الآخرين، ومن بينهم الولايات المتحدة. ويبدو اندفاع أردوغان الحالي، باتجاه إحياء هذه الرغبة، عبر عملياته العسكرية على تنظيم «داعش»، وبالتفاهم مع واشنطن، بعد منحها استعمال قاعدة إنجرليك الجوية، له أبعاد وخلفيات عدة.

فقبول أردوغان الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، بعد ممانعته سابقاً، وبشروطه غير المعلنة، يحاول الاستفادة لاحقاً من أولويات وضعها في أجندته الداخلية والإقليمية والدولية. فهو أولاً يسعى لإقامة منطقة حظر هدفها المعلن طرد «داعش» منها، وتسهيل عودة اللاجئين السوريين، لكن غير المعلن يتعلق بالجغرافيا السياسية للأكراد، بدءاً من كردستان العراق مروراً بشمال سوريا، وانتهاءً بالمناطق الكردية في الجنوب الشرقي لتركيا، وهي منطقة تشكل الخاصرة الرخوة لتركيا في أي طروحات مستقبلية، وهو أمر يُعدّ من الأمور الحيوية التي تسعى أنقرة لمواجهتها ولو بالقوة العسكرية، وهذا ما عمدت إليه في مختلف مراحل معالجتها للأزمة الكردية، وبخاصة الجانب المتعلق بحزب العمال الكردستاني.&

ما يعزز هذا السيناريو حالياً، نتائج الانتخابات التشريعية التركية التي أوصلت حزب الشعوب الديمقراطي اليساري الكردي إلى البرلمان، الذي حرم أردوغان شخصياً من تحقيق الكثير من طموحاته وسياساته الداخلية والخارجية. وبالتالي فإن تحقيق مكاسب أمنية وعسكرية، في سياق محاربته ل«داعش» ومعها الأكراد، سيعزز من فرصه في قلب الموازين في الانتخابات التشريعية المبكرة في الخريف القادم، كما يعتقد.

إلا أن الصورة الوردية التي ترسمها أنقرة تصطدم واقعياً وعملياً بالموقف الأمريكي من ملفات الأزمة السورية. فواشنطن مثلاً تختلف مع أنقرة في أولوية إسقاط النظام السوري أولاً قبل «داعش»، وإن اتفقتا حالياً على ذلك، ولو على مضض، فهما تختلفان في قراءتهما للمسألة الكردية، فواشنطن لا تؤيد ضرب الأكراد مع «داعش» في سلة واحدة، وهي تفضل إبقاء المسألة الكردية رهناً بالتطورات المستقبلية ضمن التوازنات السورية اللاحقة، في وقت يراهن أردوغان، تحديداً، على كسب ودّ واشنطن لمنع الأكراد مستقبلاً من الاستفادة من أي وضع ميداني يُستثمر في قضايا استراتيجية كردية في الواقع التركي.&

كما أن التحول التركي، له أبعاد إقليمية تتعلق بمجمل التوازنات والتفاهمات التي يمكن أن تحصل بعد الاتفاق النووي الإيراني، الذي تعتقد تركيا وغيرها من الفواعل الإقليمية، أنه سيقلص من دورها، وبالتالي ترى أنقرة أن تحولها هذا سيكبح من تداعيات الاتفاق، عبر خلق واقع جديد تعيد خلط الأوراق من خلاله، والبناء عليه في إعادة تموضعها الشرق أوسطي، بعد ضموره في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينات القرن الماضي التي لعبت فيه دور الحاجز بين موسكو والشرق الأوسط.

ثمة تحول تركي غير مسبوق في الأزمة السورية، وهي تلعب ورقة عسكرية بأبعاد سياسية استراتيجية، وبصرف النظر عن قدرة أنقرة على تحقيق رغباتها وأولوياتها، فإن محاولة أردوغان ربط ما انقطع من حرارة التواصل مع واشنطن، دونه حسابات تركية وأمريكية متبادلة. فالطرفان وإن أدركا حاجتهما الدائمة للبحث عن تقاطع المصالح، فإن أنقرة ظلت، ولفترات طويلة، تشعر بغبن العلاقة مع واشنطن، وبخاصة في الفترات الأخيرة، حيث لم تعد هناك قراءات واحدة لتفاصيل ملفات الأزمة السورية، فكل يقرأ على ليلاه، في وقت يرى أردوغان أن هذا التحول سيجني له المكاسب الداخلية التي تبخّرت في الانتخابات الأخيرة، كما سيعزز أوراقه التفاوضية في سياقات الملفات الخارجية، وهو أمر يحتمل تكهّنات كثيرة، وليس إجابات محددة، نظراً لارتباط هذا الموضوع بالكثير من المؤثرات التي تخرج بطبيعتها وبظروفها، عن حسابات كل من أنقرة وواشنطن، وحتى دمشق، ومن يتحالف معها.