شتيوي الغيثي

نحن في أمسّ الحاجة إلى قراءة الإسلام قراءة حضارية وعصرية تقوم على أخذ المجال التاريخي والتطورات الحضارية كما فعلت بعض دول شرق آسيا دون الخوف من فتح المجال الفكري لدراسة الإسلام حضاريا

&


منذ سنوات طويلة، حتى الآن، وبعض المهتمين بالجانب التطوري والحضاري في الخريطة الإسلامية شرقا وغربا يرفعون شعار العودة إلى الإسلام، باعتباره المنقذ الوحيد من الهيمنة الغربية، وهذا شعار أيديولوجي في المقام الأول، ذلك أنه ينفي صفة الإسلامية عن الخطابات الأخرى إلا ما يتماهى معها في أيديولوجيتها الفكرية، أو خطابها الحركي في وجهه السياسي.


هذا الشعار بهذه الطريقة يعطي طابع الجاهلية لهذا العصر؛ الجاهلية المتمثلة بالنسبة لممثلي هذا الخطاب في المظاهر غير الإسلامية التي تمارسها المجتمعات بين حين وآخر، أو بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية في أنظمة بعض الدول، أو كلها تقريباً وإن لم يصرحوا بذلك عند الكثير منهم.


هذا الطرح يأخذ باعتباره أن الإسلام دين ودولة، وأن المسلمين مارسوا العمل الديني والمدني جنبا إلى جنب، أثناء بنائهم دولتهم الممتدة بعد الهجرة حتى العصور الحضارية الذهبية للمسلمين -وهذا صحيح إلى حد ما- لذا لم يكن على المسلمين اليوم إلا العودة السريعة ليصبحوا سادة العالم، ولكي يوعدوا بكنوز أميركا وأوروبا كما وُعد الأولون بكنوز كسرى وقيصر فكانت حقيقة ماثلة.


هذه الرؤية تغفل الجانب التاريخي عن المسألة فحينما خطا المسلمون خطواتهم الحضارية المعروفة، فإنها لم تكن فاعلة لو لم تأخذ باعتبارها ظروف ذلك العصر؛ ولذلك تغيرت بعض التصرفات وبعض المواقف مراعاة لظروف العمل والتطورات التاريخية. حتى إن القرآن وهو المصدر الثابت بالنسبة لنا كمسلمين، يراعي مثل هذا الأمر، وهذا ما استفاضت به كتب علوم القرآن لمن يريد أن يرجع إليها ويستفيد منها في هذا المجال.


المقصد أن الإسلام كان يراعي في تطوره وبنائه حضارته وامبراطوريته العظيمة كل تطورات الموقف. حتى إن الرسالة المحمدية ظهرت بعد تمهيد تاريخي طويل، وحركة الأحناف في تاريخ جزيرة العرب كانت تجسيرا لظهور الإسلام، حتى إن بعض الحنفاء في الجزيرة العربية آنذاك كان يقوم بالتهيئة النفسية؛ لتكون النبوة فيه كالشاعر أمية بن أبي الصلت، وشعور العرب بضرورة قيام قومية عربية تجمعهم تحت راية واحدة، وكان أحد تجليات هذا الشعور معركة ذي قار الشهيرة، وهذا ما تصالح عليه كتاب السير والتاريخ بمسمى الإرهاصات التاريخية لظهور الرسالة.


كما أن كل الممارسات والحروب التي كانت بين المسلمين والمشركين من قريش، أو حتى القبائل الأخرى، وكذلك التصفيات السياسية لليهود في المدينة، والفتوحات الإسلامية في العهد النبوي أو الخلفاء الراشدين، كانت تأخذ باعتبارها معطيات العصر وإفرازاته كالتنظيمات الجديدة التي سنها الخليفة عمر رضي الله عنه، أو حتى الفتنة التي كان بدايتها مقتل عثمان رضي الله عنه. كل ذلك كان إفرازاً تاريخياً لا بد أن يقرأ في ضوء عصره، وفي ظروفه التاريخية التي قادت ظهورها على الوجه الذي ظهرت فيه.


والحضارة الإسلامية ما هي إلا معطى تاريخي موضوعي لحركة التاريخ في ذلك العصر، وتطور طبيعي لحضارات أخرى مجاورة للخريطة الإسلامية ومتفاعلة معها قديماً وحديثاً؛ كما هو الحال في حضارة الغرب المتفوقة في عصرنا هذا حيث تطورها الطبيعي (يتحفظ بعض مفكري التطور التاريخي على مفهوم الحتمية) بحكم حركة التاريخ من الحضارتين اليونانية والإسلامية، حيث تم التمهيد لها بظهور هاتين الحضارتين، ولا يعني ذلك عدم جدة هذه الحضارة أو فاعليتها، وإنما كانت مقدمة لها.


وحين أفرز التاريخ دولاً إسلامية بعد الخلافة الراشدة، كالأموية والعباسية والفاطمية ثم المماليك والعثمانيين، فإن كل عصر من هذه العصور، أو كل دولة من هذه الدول كان لها طابعها الخاص، وتاريخها الخاص، ومعطياتها الخاصة في التعامل مع التطور التاريخي، هذا التطور الممتد إلى عصر "النهضة"، حتى إن كل عصر كان يتميز بظروفه التي تبعد به زمنياً عن لحظة الإسلام الأولى، وهذا شيء طبيعي لمن يفهم التعامل مع التاريخ على أنه حركة متغيرة.
كان كل ذلك تطوراً طبيعياً لا بد له من خط، أو حركة تبعد به عن حركته الأولى وظروفه الزمنية والحضارية، وهذا ما لم يفهمه دعاة المحافظة والتقليدية أو دعاة الماضوية أو حتى الحركات الجهادية التي تنتشر في أكثر من مكان في العالم الإسلامي وتحول بعضها إلى إرهاب دولي، إذ لا يمكن لعصر من العصور الرجوع إلى نقطة البداية، وبذلك نكون كأننا لم نصنع شيئا، وهذا تجن على حضارتنا الإسلامية، كما أن الرجوع القهري يولّد ازدواجية نفسية وتأخراً حضارياً يقاسيه ممارسوه ودعاته فضلاً عن المجتمعات، ذلك أنه مهما حاولنا الرجوع فالتاريخ يأبى الانصياع إلا لمنطقه الخاص وقانونه الطبيعي، ولا يعني الرجوع لمقولات التاريخ التي هي ناتج التفاعل التاريخي لعصره الذي ظهر فيه إلا تأخر بالإسلام عن ركب الحضارة، وفي هذا تجن كبير على الإسلام كونه جاء لصالح البشرية.


على ذلك فإننا بأمس الحاجة إلى قراءة الإسلام قراءة حضارية وعصرية تقوم على أخذ المجال التاريخي والتطورات الحضارية كما فعلت بعض دول شرق آسيا دون الخوف غير المبرر من فتح المجال الفكري لدراسة الإسلام دراسة حضارية، ذلك أن الاعتماد على ما خطه القدماء يبقينا في دائرة مغلقة، وتقليدية مفعمة بالارتداد الحضاري والفكري.
&