إميل أمين

شهدت الفترة من 11 إلى 15 سبتمبر (أيلول) الحالي مؤتمرًا متميزًا في طرحه شهدته العاصمة الأردنية عمان، دعا إليه مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات.


فكرة المؤتمر تمحورت حول كيفية تسخير أدوات ووسائط الاتصال الحديث كي تكون جسورًا بين الأمم لا جدرانا، ولتصبح أدوات معرفية تعمق من معرفة الآخر، والتلاقي والتنافح الفكري الخلاق.


ولعل المؤتمر جاء في وقت حساس وفاعل حيث العنف يضرب أرجاء العالم لا المنطقة العربية فحسب، ورفض الآخر أضحى عنوانا سيئا لقرن العولمة التي كان ينبغي عليها أن تجمع لا أن تفرق، وتشرح ولا تجرح.
من أهداف مركز الملك عبد الله للحوار في فيينا، الذي يضم في مجلس إدارته 5 ديانات المسيحية، الإسلام، اليهودية، البوذية، الهندوسية، ورسالته، عبر العمل مع الشركاء على مستوى العالم، تعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وذلك للحد من الصراعات وتعزيز المصالحة والسلام، وفي مقدمة أهدافه أيضا، العمل على مكافحة سوء استخدام الدين لتبرير العنف والحض على الكراهية.


وقد شارك مركز الملك عبد الله في إعداد اللقاء الأزهر، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، والمعهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، مما أكسب اللقاء تعددية دينية وثقافية وروحية خلاقة.
لماذا الحديث عن وسائط التواصل الاجتماعي؟
الجواب لأنها أصبحت وعن حق العالم الافتراضي البديل للشباب حول العالم، ولم توفر الشباب العربي ولا شك، ومن أسف شديد فإن تطبيقات واستخدامات تلك الآليات تجلت بصورة سلبية للغاية خلال السنوات الأربع الماضية خاصة في التحضير للثورات والفورات الأخيرة.


يحب الشباب والفتيات التهام المعلومات سريعة، وساخنة، فإما أن نتحدث معهم بلغة العصر برسائل واضحة، جذابة، متفهمة لعقل الشباب، ذكية متخففة من جمود الأسلوب الأكاديمي، داعين إلى بناء العقول المنفتحة والضمائر الصالحة، أو نبقى رهن لغة خشبية لا يلتفت إليها أحد.


في كلمته الختامية كان المدير العام لمركز الملك عبد الله السيد فهد أبو النصر يؤكد على مدخل عولمي ومقاربة فكرية شديدة الأهمية، ذلك أنه في الوقت الذي توفر فيه وسائل الاتصال الحديثة فرصة نادرة لتقريب الناس، ما زلنا نجد أن الخوف والشك من الآخر والمنسوب بجزء يسير منه إلى الاختلاف الديني والثقافي يهدد بابتعاد الناس عن بعضهم البعض. هل حال عالمنا الكبير «أمنا الأرض»، ووطننا «الأكبر» الوطن العربي يدعو للألم والحسرة في حاضرات أيامنا؟
يبدو أن ذلك كذلك فعلا وقولا، فما وصلنا إليه في عالم اليوم من اقتتال وتنازع أدى إلى تفكيك جسور التواصل بين الأمم والشعوب، لا بل وأصبح التنازع بين أبناء الأمة الواحدة وأهل الدين الواحد، وعليه، فقد باتت الحاجة ملحة وأساسية لتطوير مهارات الحوار واحترام الآخر كإحدى أهم أدوات بناء السلام، وإعادة التآلف بين الشعوب والحديث لمدير عام المركز.


أحد الأسئلة الحيوية والجوهرية التي طرحت في ذلك اللقاء: «كيف غيرت وسائل التواصل الاجتماعي في طبائع الشباب وطرائق عملهم؟».


والجواب عند الدكتورة ماجدة عمر مديرة المعهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، وفيه أن الثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي قد أدت إلى بناء فضاءات عامة افتراضية نوعية سياسية وثقافية ودينية، وغيرها.


وأتاحت هذه الفضاءات لمستخدميها مساحة للتعبير الذاتي الفردي، والجماعي نلمسه في خطاب التغريدات الرقمي للشباب. عبر جلسات المؤتمر استمعنا إلى صوت الأزهر من خلال ما قاله الشيخ الدكتور محمد عبد الفضيل، مؤكدا أن العزة الإلهية هي أول من دعت للحوار، وما الوحي الإلهي إلا حوار بين السماء والأرض، وذهب إلى أن الحوار يمكن أن يمتد حتى إلى الملحدين، لأنهم لم يؤمنوا بسبب الصورة المشوهة التي قدمها لهم المتدينون.


بدوره، نبه الأب ميشال جلخ الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط إلى أن مهام وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، باتت تتعدى الدور الاجتماعي المتعارف عليه، لتلعب دورا محوريا يتخطى الحدود الجغرافية الضيقة، وترتدي بعدا روحيا يتأصل في نشر رسالة السلام والفكر والقيم.


والخلاصة أنه في زمن الصدام في الظلام، والاحتكاك في الزحام، يبقى مركز الملك عبد الله شعلة للحوار، تنير الطريق لأصحاب النيات والإرادة الصالحة، والطوايا المخلصة، ومنصة فكرية تساعد على نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، لا سيما عبر تفعيل دور الشباب في برامج مناهضة العنف وتعزيز التعايش، إيمانا منها بدور الشباب في بناء ونشر الوئام بين الشعوب والمجتمعات، وما أحوجنا إلى دعوات بناءة في زمن الهدم، مثل دعوة مركز الملك عبد الله للحوار.