قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

داود الشريان

الموازنة السعودية حفلت بإنجازات كبيرة، على رغم انخفاض أسعار النفط على نحو موجع اقتصادياً. أبقت الدولة على تمويل صناديق التنمية التي يستفيد منها المواطنون، وحافظت على التزامها دعم قطاعات التعليم والصحة والخدمات البلدية.


رافقت صدور الموازنة قرارات بتعديل أسعار سلع ضرورية، قوبل بعضها بترحاب كبير، مثل رفع الرسوم على التبغ والمشروبات الغازية مئة في المئة، فضلاً عن الخطوات التي اتخذت في رفع كفاءة الإنفاق، والتزام الصرف الحكومي سقف الموازنة العامة. لكن رفع أسعار البترول والكهرباء والمياه إلى أكثر من 66 في المئة في بعضها، كان للناس فيه رأي آخر.


خلال السنوات الماضية، كانت الآراء الاقتصادية التي تنشر في الصحف السعودية المحلية، تتحدث عن ضرورة رفع أسعار هذه السلع، لأن الدولة تبيعها للمواطنين بأقل من سعر التكلفة، خصوصاً الكهرباء والمياه، باستثناء البترول، الذي لا يكلف الدولة ما تدفعه على الكهرباء والمياه، وتغيير سعره جاء ضمن اتفاق لدول الخليج، وكان هناك فرق كبير بين الأسعار في السعودية وبقية دول الخليج الخمس.


بعض الاقتصاديين يرى أن لدفع فارق السعر للسلع لذوي الدخل المحدود آثاراً سلبية على المدى الطويل، لأن هذا الإجراء سيخفض مع الزمن مستوى من هم أرفع دخلاً منهم، ويضيف أن الدول الأوروبية، مثلاً، لا تعطي لمحدودي الدخل تعويضاً عن أسعار البترول، لأنها تفترض أن المواطن الفقير لا ينبغي له أن يمتلك سيارة. لكن ظروف الدول تختلف، فامتلاك سيارة في السعودية ليس دليلاً على الغنى، لرخص ثمنها، فضلاً عن أن امتلاكها ضرورة وليس ترفاً، لغياب المواصلات العامة.


الأسعار السابقة لبعض السلع غير منطقية اقتصادياً، ومضرّة لنمو الاقتصاد، ولهذا فإن الدولة لا يمكن أن تستمر في دفع الفرق إلى ما لا نهاية. اقتصادياً هذا صحيح، لكن القضية لا تؤخذ بمعزل عن ظروف كل بلد. رفع سعر البترول، في ظل عدم وجود مواصلات عامة، سيكون مكلفاً لشريحة عريضة من الناس، وسينعكس على زيادة أسعار خدمات وسلع أخرى، وستنتزع هذه الزيادة في نهاية المطاف من جيوب المستهلكين، فضلاً عن التأثير المتوقع من هذه الزيادة في القوة الشرائية للمواطن، والتضخم الذي ستُحدثه معاودة التسعير.


الاقتصاد والسياسة صنوان. ولاتخاذ قرارات اقتصادية بمعزل عن تأثيراتها السياسية نتائج مكلفة، فضلاً عن أن السعودية كانت، على الدوام، تراعي الظرف السياسي في قراراتها الاقتصادية، ولم تستمع يوماً للنظرة الاقتصادية البحتة، وسعت خلال الأزمات الماضية إلى خلق حال من التوازن بين ضرورة الاقتصاد ومتطلبات السياسة. وهي سابقاً اتخذت قرارات تبدو للاقتصاديين أنها تحمل الدولة أعباء يصعب تعويضها، لكنها أفضت إلى نتائج سياسية هائلة ومفيدة، ولم يتأثر الاقتصاد لأن تلك القرارات دعمت الاقتصاد والاستقرار في آن واحد.


لا شك في أن تدافع مواطنين سعوديين إلى محطات البنزين، ساعة الإعلان عن رفع أسعار النفط، دليل على أن بعض الناس لم يكن مستعداً، فضلاً عن أن خسائر الخزينة العامة للدولة من إعانة أسعار النفط لعقود، تصل إلى بلايين الريالات.


توجهات التحول الاقتصادي التي يعمل عليها «مجلس الاقتصاد والتنمية» طال انتظارها، لكنها ربما تكون في حاجة إلى إعطاء بعض شرائح المجتمع مهلة لاستيعابها والتفاعل معها بإيجابية. ووُضعت خطة تتضمن برنامجاً لتعويض المواطن الذي يقل مدخوله عن 5 آلاف ريال، عن أسعار الزيادة في الكهرباء والنفط، وتمنح الخطة ظروفاً اجتماعية أفضل. مشروع الحكومة في رفع كفاءة الإنفاق، وتغيير ثقافة الصرف، ورفع الدعم عن السلع، توجّه ضروري وبناء، على المدى البعيد، واتخاذه شجاعة اقتصادية، لكن لا بد من مراعاة الظروف السياسية والاجتماعية حتى نضمن وصول المشروع الطموح إلى مبتغاه من دون عوائق.