قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

كان روبرت ماكنمارا مديرًا لشركة فورد براتب سنوي خيالي يومها. لكن جون كيندي، الباحث لإدارته عن أبرع الكفاءات، أقنعه بقبول منصب وزير الدفاع. في هذا المنصب واجه أخطر مسألتين في تاريخ أميركا والعالم، أزمة الصواريخ الكوبية، وحرب فيتنام. في مقابلة وثائقية من عشر حلقات، شاهدت في إحداها روبرت ماكنمارا يتحدث عن فيتنام ويبكي. ثم يجهش بالبكاء. كنت أظنه رجلاً، فإذا به عملاق. ترك ماكنمارا مذكرات بعنوان «عودة إلى الذاكرة»، يقدم فيها الدرس الأهم في حياته: نظرنا إلى حليفنا في جنوب فيتنام من خلال رؤيتنا للأشياء، وكذلك نظرنا إلى عدونا في شمالها. كان يجب أن نقرأ جيدًا تاريخ الفريقين: «كان جهلنا تامًا بثقافات وقناعات وطباع وأحلام وعادات شعوب المنطقة وقادتها».


لم يقرأ كثيرون من السياسيين الأميركيين المذكرات ودروسها. أحد مستشاري جورج دبليو بوش قال للصحافي رونالد راسكين عشية غزو العراق: «ندرس الحقائق؟ أية حقائق؟ نحن دولة كبرى تصنع الحقائق اليوم. راقبنا جيدًا، كلما خطونا خطوة، خلقنا واقعًا جديدًا». طبعًا راقب راسكين كل شيء. ولعله لا يزال. لقد أخفق بوش في قراءة التاريخ، وربما في قراءة أي شيء. الخطأ نفسه ارتكبه حليفه توني بلير، الذي لا ننسى تصريحاته تلك الفترة.
قال جورج سانتايانا: «الذين لا يتذكرون الماضي، محكومون بتكراره». لم يرتكب الغرب وحده خطأ عدم قراءة التاريخ، بل السوفيات أيضًا. أرسلت موسكو دباباتها، وأقامت حامياتها في كل أوروبا الشرقية، وبعد نصف قرن انهار كل شيء في لحظة واحدة. اختارت أن تصدق تقارير عملائها بدل دراسات أساتذة التاريخ في جامعاتها. كل من أعطاها رأيًا مغايرًا لما تشتهي، اعتبر خائنًا.


خطأ رجال الإمبراطوريات أنهم لم يصدقوا بعد كل هذا التاريخ، أن الإمبراطوريات تسقط أيضًا. قال كبير مؤرخي بريطانيا إدوارد جيبون، إن «التاريخ سجل للجرائم والحماقات وكوارث الإنسانية». ما دمنا نرفض أن نعرف شيئًا عن الآخر، فنحن على استعداد دائم لإلغائه. هل تتذكر حكايات عنترة، الفارس الشهم القوي الذكي النبيل العاشق المتألم؟ ألم يزعجك أنك لا ترى أحدًا مثله في الجبهة المقابلة؟ لا فارسًا ولا حتى فرسًا مثل فرسه؟ فكيف إذن دامت حربه كل تلك السنوات، وفقدت قبيلته كل أولئك الرجال؟ ولكن لا حل. الآخر عدو، ولا وجود له. أو بالأحرى، يجب ألا يكون موجودًا. ثم بعد سنين من دموع ماكنمارا، تمتلئ فيتنام بالسياح الأميركيين، وأميركا بالباعة الفيتناميين، ويتذكر الفريقان معًا إحدى أكبر المقابر في التاريخ.
&