&سالم سالمين النعيمي
يمر الدين الإسلامي كدين وثقافة وأسلوب حياة بمرحلة انتقالية خطيرة للغاية تهدد ليس الدين نفسه، بل حتى هياكل الدول ومستقبل مجتمعاتها على جميع الأصعدة، فمقولة أن الدين بين العبد وخالقه هي صحيحة، ولكنه في الوقت نفسه نظام حياة سواء رضينا أم أبينا، وهو مهم حتى في حياة المسلم الذي يعتنق الإسلام كهوية شكلية بجانب وصول الكثيرين لقناعات داخلية راسخة قد لا يصرحون بها علناً بأنه دين لا يناسب هذا العصر بالصورة التي هي عليه اليوم، وإنْ كانوا موحدين ويؤمنون بكمال القرآن وعظمة الإسلام، ولهذا نحن في أزمة حقيقية تحيط بنا من كل الجوانب.
وكلما تحدثنا عن ماهية الإصلاح الديني، ظهرت الأصوات التي تريد طمس رؤوسنا في التراب كالنعام وتخشى على الإسلام من التغيير الذي قد يفقده واحداً من أهم أصوله، وهو الإرث الذي لم يوح به من اجتهادات السابقين، وهو ممنوع من اللمس للحفاظ على النقاء الديني، وهي برمجة لغوية عصبية يبدع فيها حراس المعبد لتأصيل الكهنوتية والفوقية الفكرية لطرح بعينه دون سواه، فتجد المسلم دائماً في عملية مقارنة مع الآخر، وسؤال يجب أن يتعامل ويتعايش مع من ويتجنب من، والتغني بمفاهيم دينية تبدو إعلامياً في غاية الروعة والتحضر مع أنها ممكن فهمها وتبنيها بصورة قد تقود للعنف والقتل والتحزب عكس الأثر الإيجابي المراد بها أن تتركه في حياة البشر تماماً.
وشخصياً أنا غير مغرم بمصطلح الوسطية وأشعر بأنه دفاعي وكأن الإسلام في قفص الاتهام. والفهم المتداول قد لا يتوافق مع النصوص القرآنية، وهو تأويل يُراد به أننا أمة وسط لا غلو بها، بينما الوسطية في القرآن لربما كانت أقرب لمفهوم «الحق بين باطلين»، أو «اعتدال بين تطرفين»، أو «عدل بين ظلمين» أو «هدى بين ضلالتين»، وتوسط في الدين وكون الغرب يهاجمنا هي ليست مدعاة لتمييع أحكام الشريعة والتبرير للغير في كل أمر أمرنا به رب العزة. ولكن الأرجح والأفضل في رأي هي المراجعات المعمقة لما تركه لنا علماؤنا ونسخة معدلة بفهم القرن الواحد والعشرين، وما توصل إليه العلم وفي ظل التكنولوجيا المتوفرة للبحث والتفنيد والتمحيص والمقارنة المعيارية والتفسير والفهم المعاصر، نستطيع أن نبين للعالم أن الإسلام دين عدل واستقامة للإنسانية لمن أراد أن يختاره كمنهج حياة له ويبقى التحدي الأكبر وهو كيف نبني الفكر الديني بأدوات هدم مهما أعجبنا لفظها ومنهجها في مسائل هي الشاهد والقاضي فيها لإعادة إحياء درب الحرير الروحي للمسلمين؟
حرروا الدين من الرجعية والتعصب، فالإسلام هو السلام والدعوة الحسنة المتسامحة وحرية المعتقد والطمأنينة وعدم الاعتداء والتعدي الغاشم وحفظ الروح والعرض والمال والممتلكات ونبذ الغلو ومكافحة الإرهاب والتطرف والظلم ولا يمانع التنوع الثقافي والديني في ظل العدل والمساواة في الحقوق والواجبات والانفتاح يتفق مع القوانين المعرفية الأساسية لبناء الحضارات، وهو كان أهم مميزات الحضارة الإسلامية.
وأنا متأكد على أننا منفتحون بشروط ومعايير خاصة بنا كل من يخالفها أكيد أنه يحمل نية سيئة ضدنا. فتجدنا نُقيم الدنيا ولا نقعدها إذا سخر أحد من ديننا، ولكننا في حياتنا اليومية وأحياناً ضمن القنوات الرسمية أو العامة العلنية غير الرسمية نسخر من كل الأديان والأعراق والأعراف والتقاليد لدرجة الازدراء المبطن، فما هذا التناقض العجيب في تركيبتنا النفسية والعقلية؟
فالحب المفرط في كل أمور الدنيا قد يولد عدداً من الرذائل، ولا سيما خطاب مفرط مذهبي أو حزبي أو تنظيمي، ولا أفهم كيف أن من يسير في خط مستقيم بين النقطة أ والنقطة ب وهما البداية والنهاية سوف يصل إلى أي مكان آخر في ظل الإصلاحات المؤقتة والعلة في الجذور. فالمسلمون اليوم يثيرون غضب العالم بأسره، وهل يعقل أن 1.6 مليار من سكان العالم لا يملكون آليات تُصلح جوهر حياتهم، وجعل الصوت الحقيقي للإسلام هو الاعتدال المستنير، فما بين أيدينا اليوم جزء كبير منه لا يتوافق مع الواقع، وتحول الإسلام إلى أيديولوجية، وأصبحنا محاصرين مع أننا نعلم أن الحرية الدينية والانفتاح على الآخر في العصر الحديث هو تطور أقل تقدماً من الفترة النبوية والتعددية في مجتمع الرسالة. فما الذي أوصلنا لهذا الطريق المسدود، وما هو السبيل لكي نسلك ونشق طريقاً خاصاً بنا مستخدمين ما يصلح من مواد من الطريق المسدود؟











التعليقات