&عبد الرحمن الراشد&

في مطلع الثمانينات جئنا، كطلاب من واشنطن، لزيارة القاهرة ضمن درس العلوم السياسية. ولا أدري لماذا اختار أستاذنا أن نزور ذلك المبنى القديم الجميل على شارع طلعت حرب، نادي الدبلوماسيين. فيه التقينا عددًا من العاملين في وزارة الخارجية المصرية، وكان كل شيء فيه يوحي بالأرستقراطية وأيام الباشاوات. علق أستاذنا، ألن تايلور، بأن الدبلوماسية المصرية ظلت، حتى بعد ثورة 1952. من النخبة، معظم من يعمل فيها من عائلات توارثت الوظيفة السياسية الخارجية، أو من المتميزين في دراساتهم. وكان ذلك النادي الخاص، الذي بناه معماري فرنسي، يرمز للدبلوماسية الراقية، ويضم من السفراء إلى الطهاة الذين يتم تكليفهم بالعمل في السفارات المصرية في أنحاء العالم. الدبلوماسية المصرية العريقة، مثل نادي الدبلوماسيين الذي عمره مائة عام، بقيت محافظة على تقاليدها وخبراتها.

وأحمد أبو الغيط، مثال للدبلوماسي الراقي، الذي يملك سيرة مميزة في البعثات الدبلوماسية المصرية من نيويورك إلى موسكو، ووزيرا للخارجية، تعامل مع ملفات مختلفة تمثل قضايا المنطقة وتشابكاتها مع العالم والقوى الكبيرة.

ومع أن هناك من يشتكي من احتكار مصر لمنصب الأمين العام للجامعة العربية إلا أن أي جهة عربية لم تستطع تقديم ما يمكن أن تتفق عليه الدول الأعضاء الاثنتان والعشرون، إلا باعتماد من ترشحه دولة المقر. لم يظهر مرشح، ولا بلد غير مصر، مقبولة للجميع. وكشفت الأحداث الماضية أن المشكلة الحقيقية ليست في شخص الأمين العام، ولا منصبه، وقد أجريت عدة تعديلات من أجل تمكين الجامعة العربية من العمل، لكن اتضح أن استمرار الخلافات العربية هو العائق الرئيسي، وعجز الدول الأعضاء عن فك المسار السياسي أفشل بقية نشاطاتها، وشل معظم أعمالها. مقر الجامعة ومنصب الأمين العام، أو شخصه، ليسا المشكلة، بدليل أن العرب، بضغط من رئيس العراق، صدام حسين، ورئيس سوريا حافظ الأسد، حينذاك، نقلوا جامعتهم من مصر إلى تونس، وسلموها للتونسي، الشاذلي القليبي، ومع هذا لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

لا نتوقع معجزات، حتى مع تولي أبو الغيط الذي هو أفضل من يستطيع إدارة الجامعة الأقدم بين المنظمات العالمية، والتي أُسست بفكرة من بريطانيا عندما أعلنت تأييدها لأي رابطة يرغب العرب في إقامتها، وذلك إبان الحرب العالمية الثانية. والأمين العام الجديد يدرك أهمية الجامعة، وأهمية ما تمثله، وأنها يمكن أن تكون مؤسسة عالمية ذات قيمة كبيرة لو أن حكومات الدول الأعضاء سمت فوق خلافاتها، ووافقت على منح الجامعة الفرصة لتجميع الإمكانيات وتحقيق شيء من التعاون.

فالجامعة العربية تمثل منطقة ضخمة ذات مصادر يمكن أن تجعلها قوة كبرى، الرابعة من حيث السكان عالميًا، ثلاثمائة مليون نسمة، والثانية في العالم من حيث المساحة. التحدي في تحقيق عمل عربي مشترك، حيث فشلت الحكومات العربية في الاستفادة من مظلة الجامعة لصالح مواطنيها وبلدانها، فحولت الجامعة من سوق رابحة إلى منتدى للخلافات. ولا أتصور أن الأمين العام الجديد يستطيع تغيير هذا الواقع كثيرًا ما لم تتفق حكومات الأعضاء المؤثرين على طرح مشاريع مشتركة تؤدي إلى التنمية وبالتالي إلى الاستقرار.

الدكتور نبيل العربي، الأمين العام الذي انتهت فترته، تقلد المنصب في عز فوضى الثورات، ويحسب له أنه استطاع إنقاذ الجامعة من الانهيار، ومن فوضى الفوضى. والأمين العام الجديد، أبو الغيط، سيديرها في وقت لا يقل خطورة، مع تزايد التهديدات الإيرانية، واستعار القتال في ثلاث دول عربية، سوريا وليبيا واليمن، وكذلك الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء وصلت إلى أردأ مراحلها.

&

&

&&

&