قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&وليد أبي مرشد

بعد أقل من ثلاثة أسابيع على ترجيح البريطانيين - بأكثرية ضئيلة - خيار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي على الاستمرار في عضويته، اخترق حزب المحافظين الحاكم، وبسرعة لم تكن متوقعة، أجواء الاضطراب المسيطر على الساحة السياسية البريطانية منذ إعلان نتائج الاستفتاء، باختيار وزيرة الداخلية، السيدة تيريزا ماي، رئيسة للحكومة التي ستتولى التفاوض مع الاتحاد الأوروبي على مراسم الطلاق منه.
ردة فعل مؤشر «فاينانشيال تايمز» الإيجابية على اختيار مسؤولة عرفت بالحزم، أوحت بأن هذا الخيار قد يكون بداية خروج بريطانيا من عنق الزجاجة الذي زجّها فيه الاستفتاء، وإن كانت شروط الطلاق من الاتحاد الأوروبي غير واضحة للآن.
مع ذلك تبقى المفارقة اللافتة في اللعبة السياسية البريطانية أن الدولة التي اختار شعبها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، كلفت مسؤولة مؤيدة للبقاء في الاتحاد بمفاوضة بروكسل على شروط طلاق حددت عنوانه العريض بـ«سنحوّل الانسحاب من الاتحاد إلى قصة نجاح».


ربما تبرر «الشوفينية» القومية التي طبعت ردود الفعل الأوروبية، حيال قرار البريطانيين مغادرة الاتحاد الأوروبي عودة الاعتزاز البريطاني بقدرات «الجزيرة» الذاتية، كما عبرت عنه السيدة تيريزا ماي بلباقة دبلوماسية، وربما كان تلويح تيريزا ماي «بقصة نجاح» موعودة محاولة مدروسة لتحسين شروط طلاق بريطانيا من الاتحاد. ولكن من حق عباد الله غير الأوروبيين، خصوصا أبناء دول الساحلين الجنوبي والشرقي للبحر الأبيض المتوسط، التحسب من تبعات عودة العامل القومي إلى القرار السياسي الأوروبي - واستطرادا البريطاني.


لا جدال في أن الواقع الراهن لدول الاتحاد الأوروبي يختلف كثيرا عن واقع أوروبا القرن العشرين، أي المرحلة التي شهدت ازدهار الحركات السياسية المتطرفة (فاشية كانت أم شيوعية).. اليوم وضع دوله السياسي مستقر، واقتصاداتها مزدهرة، وكثير من مؤسسات الاتحاد العاملة مؤسسات مشتركة تتجاوز الأطر القومية الضيقة لدوله (اللجنة الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية..)، وحتى على الصعيد الاجتماعي أصبحت شعوب الاتحاد الأوروبي، بفضل ثورة تقنيات التواصل، أكثر اطلاعا على أوضاع بعضها على بعض وأفضل تفهما لها.
رغم ذلك يصعب التغاضي عن بروز دوافع قومية، في الآونة الأخيرة، وراء كثير من تصرفات دول الاتحاد، يرافقها تنامي الحركات اليمينية الشعبوية وارتفاع ضغوط الشارع على حكومات الاتحاد، لفرض رقابة مشددة على حدودها. وهذه الضغوط توسلتها بعض الحكومات لبناء جدار من الأسلاك الشائكة يردع النازحين عن دخول أراضيها. ولم يكن خافيا أيضا ما كشفته هذه الأحداث من مواقف لاسامية حيال ظاهرة النزوح القسري.
هذه التحولات الاجتماعية - السياسية، التي يشهدها حاليا الاتحاد الأوروبي، لا تزال في بداياتها، لكنها تقرع ناقوس الخطر من احتمال تفكك روابط أوروبا «الاتحادية»، مفسحة في المجال عودة التنافس القومي إلى القارة الأوروبية. ورغم أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد اعتبر خسارة لبريطانيا لا للاتحاد الأوروبي، فإن احتمال تحويل هذا الانسحاب إلى «قصة نجاح» - كما وعدت السيدة تيريزا ماي - من شأنه أن يدق أول إسفين في بنيان الاتحاد.
قد يكون العام المقبل حاسما بالنسبة لتوجهات الاتحاد الأوروبي، فعام 2017 سيشهد استحقاقين لا يخفى تأثيرهما على مستقبل الاتحاد الأوروبي، أولهما انتخابات فرنسا الرئاسية، وثانيهما انتخابات ألمانيا البرلمانية.
وإذا صحّ اتخاذ استقواء الشارع الفرنسي لحركة ماري لوبن اليمينية بنتيجة الاستفتاء البريطاني، واتخاذ تنامي الاستياء الشعبي من سياسة المستشارة أنجيلا ميركل المتساهلة مع النازحين (خصوصا بعد أحداث محطة قطار مدينة كولون) بوصفهما مؤشرين على سرعة تحول المناخ الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي، يصحّ عندئذ الاستنتاج بأن ساحة الاتحاد السياسية مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد، قد يصبح بداية نهاية أوروبا الاتحادية.

&

&