قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

جال الكاتب البريطاني نورمان لويس في إسبانيا عام 1934، مرة على قدميه، ومرة على عربة تجرها خيل أو بغال، ومرة نادرة، في قطار نادر. فلا طرقات ولا سكك حديدية تربط المدن. لا شيء يربطها، تقريبًا، سوى الفقر والعصر الحجري. وفي الطريق إلى إشبيلية، مقصده النهائي، كان يرى في كل قرية يمر بها، أناسًا يسكنون في الكهوف. ثم المزيد من الكهوف. ثم الكثير منها.
مع أننا نقرأ عن 1934، فلم أكن أصدق ما أقرأ. في الفترة نفسها، كانت ألمانيا تشق عباب الصناعة الحديثة. وكانت بريطانيا تداري بناءها الإمبراطوري. ولكن هذا لا يهمني شخصيًا إلا كمقياس، يهمني أين كانت مصر؟ مصر كانت قد بنت أول دار للأوبرا منتصف القرن الأسبق احتفالاً بأهم ما بنت في عصورها الحديثة، قناة السويس. ومصر في الثلاثينات كانت تقوم فيها الحكومات وتسقط. وكان عضو مجلس الشيوخ طلعت حرب، يؤسس بنك مصر، وشركة مصر للطيران، وشركات النفط، والمناجم، والتأمين، والقطن. وكانت إسبانيا مليئة بسكان الكهوف مثل سكان المقابر في مصر اليوم. واقتصاد إسبانيا اليوم حجمه 1,660 تريليون دولار. ومعدل دخل الفرد فيها أكثر من 30 ألف دولار. ودخل إليها في الأشهر السبعة الماضية 28 مليون سائح. ولا تجربوا الحجوزات للأشهر التالية.
وقبل أيام أعلنت الكويت أنها رفعت الحظر عن استيراد الفراولة المزروعة في مصر. وهذا مفجع، لمصر وليس للكويت. لأنه لو استطاعت الكويت لاستوردت كل شيء من مصر حتى النفط. لكنها كدولة عليها أن تحمي مواطنيها قبل أن تحمي أصدقاءها. ويقال كلام من نوع أن مصر تتعرض لمؤامرة في سياحتها وطيرانها وزراعتها وعملتها. وإذا كان صحيحًا، يجب أن تفضح مصر المؤامرة لكي نتساعد جميعًا في دحرها. لكن هناك ما هو أسوأ من المؤامرة، عدم الاعتراف بالخطأ، وعدم إعلان التعبئة من أجل النهوض بمصر. وعدم الشعور بأي مسؤولية حين نرى ترتيب مصر في أي جدول تنموي، أو تعليمي، من الجداول الرسمية الدولية.
بأي حق يجوز، أن نتمنى اليوم، العودة إلى زمن طلعت حرب، الذي مضى عليه 75 عامًا؟ لكن لكي لا نجرح كبرياء المصريين، ولنقارن فقط بالمصريين. وماذا يبلغ حجم الآثار في إسبانيا لكي يأتيها 48 مليون سائح في العام؟ دفعت مصر ثمن التجارب مثلما يدفعها أي فرد وأي دولة. تنام اشتراكية وتفيق «منفتحة» وتتمتع بقيلولة رأسمالية، ثم تلقي كل ذلك، وتبدأ من جديد. لماذا؟ لأن مصر لا تستعين بأفضل من لديها من المصريين. وأحيانًا أقول في نفسي، يكفي أن تقرأ الدولة عقلاء مصر، وليست في حاجة إلى خبراء دوليين.
المصريون - وليست مصر - في حاجة إلى وقفة مع أنفسهم ومع تاريخهم ومع حضاراتهم الكبرى. الدولة ليست كل شيء. وهي عاجزة لأنها خائفة من الناس ومن ردود فعلهم. وخائفة من بعض الإعلام الذي يتولاه هجّانة فاقعون ومعدومو الشعور بالمسؤولية الإنسانية والوطنية. والحل في أن نقرأ عقلاء مصر، جيدًا.