قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أرليت خوري 

كانت جلسة في مقهى باريسي مع إحدى الصديقات عادية، لا شيء فيها يستحق الذكر، إلا أن رجلاً يجلس إلى طاولة مجاورة «قلب المعادلة» بنظرات غير ودية راح يرمينا بها. كان الامتعاض بادياً على ملامحه وهو لا يكف عن تحريك كرسيه، فخلنا أنه منزعج من دخان السيجارة فأطفأنا سيجارتينا من دون أن نفلح في جعل أساريره تنفرج.

ربما الأكياس التي تحتوي على مشترياتنا هي التي تضايقه، فغيَّرنا مكانها من دون أن يغير ذلك شيئاً في سلوكه.

قررنا تجاهله، والمضيّ في حديثنا، لكنه ما لبث أن التفت نحونا وخاطبنا من دون استئذان: «ما هي هذه اللغة التي تتحدثان بها؟»، فأجابته الصديقة بسرعة خاطر: «نتحدث اللغة المسلمة، هل من مانع لديك؟».

لملم الزبون نفسه ثم سدد حسابه وغادر المقهى، بما يؤكد أن انزعاجه لم يكن سببه سوى سماعه اللغة العربية التي باتت مصدر خوف وريبة لدى كثر في فرنسا.

والواضح أن الخلط بين الإرهاب والإسلام اتسع واقترن في أذهان البعض بخوف من اللغة العربية باعتبارها «لغة الإرهابيين».

هذا الخلط كان يمكن أن يقتصر على فئة بسيطة من العامة لولا أنه وجد من يغذيه في الطبقة السياسية، خصوصاً عقب الاعتداءات الإرهابية الدامية التي أصابت فرنسا.

وبدلاً من أن تحمل هذه الاعتداءات السياسيين على الترفع عن مخاطبة الغرائز، فإنها حملت كثيرين منهم على تغذية المخاوف وتأجيج الريبة بحجة الدفاع عن الوحدة الوطنية، علماً أن فرنسا لا تزال ضمن دائرة التهديد الإرهابي المرتفع المستوى.

كما أن هؤلاء السياسيين يعدون للاستعانة مجدداً بشعارات شعوبية وركوب موجة الرفض حيال كل ما هو وافد ومختلف، في إطار حملة الانتخابات الرئاسية المقررة الربيع المقبل.

في هذا السياق، بثت القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي تقريراً يستعيد الجدل الذي شهدته فرنسا في تموز (يوليو) الماضي بسبب قرار وزيرة التربية والتعليم نجاة فالو بلقاسم إدراج اللغة العربية في المناهج التربوية، فهذا القرار جعل منها محط غضب الجبهة الوطنية الفرنسية وبعض الشخصيات اليمينية، التي شنت حملة مؤدّاها أن الوزيرة تعمل على تقويض مكانة اللغة الفرنسية لمصلحة اللغة العربية منذ الصفوف التمهيدية في المدارس.

وتسلل هذا الموضوع إلى البرلمان، حيث اعتبرت النائبة اليمينية آني جيرفار، أن إدراج العربية في المناهج التعليمية يقوض الوحدة الوطنية، وأنه من الأجدر التركيز على اللغات القديمة «التي تمثل جذورنا» أو اللغات الأوروبية.

والمستغرب هو عودة القناة الثانية لاستحضار هذا السجال الذي اتُّهمت فالو بلقاسم في سياقه بالسعي إلى تعزيز الذهنية الطائفية وتقويض الطابع الفرنسي للمؤسسات التعليمية ووضع عقبات جديدة أمام الاندماج.

وكانت الوزيرة دافعت عن قرارها بالقول إن العربية هي لغة متوسطية مثلها مثل الإيطالية والإسبانية، تفتح آفاقاً جديدة أمام الأفراد والمؤسسات الراغبة في التوسع في الخارج. وأكدت أن حصص العربية اختيارية وترمي إلى تقليص لجوء الأسر إلى الاستعانة بالجمعيات والمؤسسات التي تدرّس العربية من دون ان تكون خاضعة لوزارة التربية.

وتفيد الأرقام الرسمية بأن عدد التلامذة الذين يتعلمون العربية لا يتجاوز نسبة 1 في المئة مقابل ٩٥ في المئة يتعلمون الإنكليزية أو الألمانية، بما يعني أن الحملة ضد وزيرة التربية والتعليم تهدف إلى تعميق الشرخ الذي واكب وجود المهاجرين في فرنسا وتَعمَّقَ نتيجة الإرهاب، وإعادة فتح هذا الملف تعني أيضاً أن الإعلام ليس بمنأى من المسؤولية في السجالات الموتورة الحاصلة.