قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فيكي حبيب 

لا تحيد الأزمة «الأخلاقية» التي تعصف بالإعلام المرئي في لبنان عن الأزمة المالية التي تعيشها القنوات التلفزيونية على وقع محدودية السوق الإعلانية وانكماش المال السياسي، ما ينذر بخطر كبير، يهدد مستقبلها.

ولم يكن تدخل وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي في شكل بدا غير منسجم مع دعوته لإلغاء وزارة الإعلام أسوة بدول غربية كثيرة ترفض فكرة الوصي على الإعلام، إلا استجابة لأصوات كثيرة علت في الفترة الأخيرة ضد الانحدار الأخلاقي على شاشات محلية تغرق أكثر فأكثر في وحول «بزنس»، لا يضع في حساباتـه الآداب العامـة او الصـورة التي يصدّرها عن لبنان.

صـورة بـائـسة روّج لهـا بـرنــامــج «Take me out نقَشت» (الـ بي سي أي و «ألـ دي سي») الذي يعرّفه القائمون عليه بأنه برنامج «جامع للقلوب» من تقديم «عرّاب الحبّ» فؤاد يمّين. أمّا بطلاته، فهنّ 30 صبيّة، «لكلّ واحدة منهنّ شخصيّتها، اهتماماتها، أفكارها، نظرتها، وانطباعاتها عن الشريك الذي تنتظر الخروج معه بموعد تعارفيّ»... ولنا ان نتخيل البقية: فتيات لا تنقصهنّ جرأة البوح برغبات غرائزية على الملأ أمام ملايين المشاهدين في البيوت، لتأتي النتيجة في الشارع اللبناني على صورة معركة أخلاقية بين أصوات تشكو هذا الانحدار في مقابل أصوات أخرى تدافع عن الحريات. أما الـ «بي سي أي» فحسمتها في مقدمة نشرة أخبارها التي تلت اجتماع وزير الإعلام برؤساء مجالس إدارة التلفزيونات بعدما كان وجه كتاباً الاسبوع الماضي إلى المجلس الوطني للإعلام «للتحقق ورصد بعض البرامج التلفزيونية التي تخالف القواعد الأخلاقية»، إذ جاء فيها: «زوبعة في فنجان انتهت بأن المعالجة تكون على فنجان قهوة. هكذا نقشت مع العقل والمنطق بعدما عادت الأمور الى حجمها الطبيعي ليتبين ان ما اثير لم يكن رمانة «Take out me» بل قلوب ملآنة من نجاح برنامج كسر كل الأرقام وأطاح كل سقوف التوقعات. اخرجت القلوب الملآنة ما تخبئه من رعب من النجاح، فحاولت استنفار الرأي العام والوزارة المعنية التي بشرنا حامل حقيبتها مشكوراً انه سيعمل على إلغائها. كما حاولت استنفار المجلس الوطني للإعلام الذي يشكو دوره الاستشاري المنزوع الصلاحية، لكن المحاولات اليائسة لإيجاد بيئة حاضنة للانقضاض على البرنامج باءت بالفشل، فانتهت الزوبعة في فنجان على فنجان قهوة. نقشت مع الإعلام بإبراز ان العاصفة التي هبت لم يكن من لزوم لها، فهي ان حققت شيئاً فهو انها حرفت الأنظار ولو الى حين عن ملفات تخدش السلامة العامة وتخدش الخزينة العامة وتخدش البيئة العامة وتخدش الديموقراطية».

 

قمع الإعلام

وإذا كان من يعرف وزير الإعلام الجديد، يدرك جيداً انه ليس «في وارد قمع الإعلام»، كما قال إثر الاجتماع، فإن «حماية المهنة والآداب العامة هي من أساسيات عمله»، من هنا لم ينه فنجان القهوة من دون ان ينتزع تعهداً من رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال بيار الضاهر بأن يشرف شخصياً على مونتاج برنامج «نقشت» لـ «حذف ما قد يسيء الى الآداب العامة».

وفي الأحوال كافة، يبقى، الرابح الأول والأخير، شاشة «ألـ بي سي أي»، التي استفادت من كل هذه المعمعة، بتحقيق «رايتنغ» (نسبة مشاهدة) أعلى للبرنامج، فكانت مكافأتها له بنقله الى «البرايم تايم» (وقت ذروة المشاهدة) بعد أن كان يعرض في وقت متأخر نسبياً، غير آبهة بكل ما قيل ويقال من خدشه الحياء العام أو «تسليعه» للمرأة اللبنانية. فالمهم في عالم صناعة الترفيه هو «الرايتنغ».

ولا يزال وقع الصرخة التي أطلقها بيار الضاهر، مدوياً في أروقة مكاتب «الـ بي سي أي»، حين قال لجريدة «السفير» مباشرة قبل إقفالها نهاية العام المنصرم: «لن تكون هناك أي شاشة لبنانية عام 2020، إذا لم يتخذ قرار للخروج من أزمة الإعلام المرئي»... قالها الضاهر مستنداً الى خبرة تلفزيونية طويلة، شهدت نجاحات كبيرة ثم خيبات تبعتها سقطات، من دون ان تسعفه حنكته الإعلامية للخروج بمحطته بأقل الخسائر الممكنة.

ولم تكن هذه الصرخة الأولى له. سبقتها صرخات مشابهة، أبرزها في عام 2015 مع اجتماعات رؤساء مجالس إدارة المحطات اللبنانية الثماني، لتدارك الأزمة التي بدت آثارها واضحة، ليس فقط مع انحسار الإنتاجات التلفزيونية الكبيرة فحسب، بل أيضاً مع قرارات جاءت على حساب بعض العاملين في هذا القطاع، من موجات صرف تعسفي وتأخر في دفع الرواتب وإبرام عقود موقتة.

يومها اجتمع هؤلاء، على رغم كل شيء... على رغم الأجندات السياسية المتفاوتة والتنافس الشرس في ما بينهم، والحروب المفتوحة على الهواء مباشرة في مواجهة بعضهم بعضاً من دون أي وازع... اجتمعوا، لتدارك الأزمة الاقتصادية التي تحيط بهم واقتراح حلول للخروج منها.

وإذ تصبّ الإحصاءات العالمية في اتجاه ترسيخ مكانة الإنترنت لتكون الوسيلة المهيمنة على الإعلانات في ظل التوقعات بتخطيها التلفزيون مع نهاية هذا العقد... وفي ظل الحديث عن «النمو المتزايد في الإعلانات على الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة في دفع صناعة الإعلانات على الإنترنت لتخطي نظيرتها التلفزيونية، واعتلاء الصدارة في الإنفاق على الإعلانات عالمياً، مع حلول هذا العام» (من إحصائية لشركة «زينيث أوبتيميديا»)، فإن الواقع اللبناني يبدو أكثر تعقيداً. فالمعلن ليس اللاعب الوحيد في المشهد التلفزيوني اللبناني. وليس خافياً على أحد، أن السياسة تفوقت على الجانب التقني خلال إعداد قانون الإعلام المرئي والمسموع عام 1994 ومنح الرخص للمحطات، اذ أتى الجانب التقني في ذيل قائمة الدراسات حول قدرة الفضاء اللبناني على الاستيعاب. وشكّلت المحاصصة الطائفية والسياسية السمة الأبرز، فنشأت محطات ترتكز في تمويلها على المال السياسي، خارجياً وداخلياً. ولولا هذا المال لما صمدت قنوات كثيرة في وجه استئثار «ال بي سي» بكعكة الإعلانات المحلية، قبل ان تعود وتتخبط هذه القناة التي عرفت أمجاداً كبيرة في التسعينات (قبل غزو الفضائيات ثم هيمنة عالم الإنترنت)، في دعاوى قضائية.

اليوم، تعيش «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، ضائقة مادية كبيرة، مثلها مثل غالبية القنوات التي تسبح في الفضاء اللبناني، خصوصاً بعد إخفاق مشاريع كثيرة عرضها القائمون على هذه القنوات خلال معركتهم مع أصحاب الكايبل. فمثلاً من الاقتراحات التي حملها هؤلاء أن «تصبح القنوات اللبنانية تحت إدراة شركة إعلاميّة واحدة، تهدف إلى جعل أسعار الإعلانات موحّدة»، إضافة الى «إنشاء غرفة عمليات واحدة لتغطية النشاطات التي تهمّ كلّ القنوات بهدف تقليص حجم النفقات المترتّبة على كلّ قناة»، و «الانتقال من البثّ المجاني إلى البثّ المدفوع ضمن باقات مشتركة وبكلفة بسيطة».

 

متاريس

اقتراحات منها ما بدا منطقياً، ومنها ما بدا عصياً على التنفيذ، ما أنذر بانحدار متزايد في الأداء، وتصاعد برامج «الإثارة»، أملاً بإشعال «الرايتنغ»، وإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه. وهكذا غرقت الشاشات المحلية خلال السنتين الأخيرتين ببرامج لعبت على وتر «الجمهور عايز كده».

ومع اشتداد الأزمة، سرعان ما برزت متاريس إعلامية، أشعلت حروباً لم نشهدها على الشاشات اللبنانية، بحيث بات لكل محطة (تقريباً) مهرجها الذي لا يجد حرجاً في تسخير برنامجه لمهاجمة القناة المنافسة، بأسلوب هابط لا يحترم أي أصول للمهنة. وإذ بدت هذه الحروب عادية، بالنسبة الى المشاهد، لتكرارها حلقة بعد أخرى، أتت الصدمة مدوية خلال الأيام الأخيرة. فمن كان يتقاذف التهم ويتقاتل امام أعين ملايين المشاهدين، ينشد اليوم الهدنة. وتبقى صرخة طوني خليفة الأكثر تعبيراً: «يلعن أبو الرايتنغ»... قالها في حلقة من حلقات «العين بالعين»، خصصها لهذا الموضوع، قبل ان يسأل عن مصير برنامج لا يحقق «رايتنغ» ولو كان من أهم البرامج التلفزيونية او كان صاحبه من أهم الإعلاميين في العالم العربي، لتأتي إجاباته غير مفاجئة: سيجلس حتماً في بيته من دون عمل او يبحث عن مادة أخرى تحقق للمحطة «رايتنغ». وإذ اعتبر ان المسؤولية مشتركة بين الجمهور والإعلامي، بما ان المشاهد مسؤول عن تحقيق البرامج الهابطة أرقاماً عالية بمشاهدته إياها، فإن هذا لا ينفي مسؤولية المحطات التلفزيونية التي لها حساباتها الخاصة، وهذه لا تبتعد عن حسابات الربح والخسارة. فيها تتكبد المحطات اللبنانية خسائر كبيرة، تقدّر بأكثر من 60 مليون دولار سنوياً. من هنا، وبانتظار خطوات عملية تنتشلها من ضائقتها، تؤكد مصادر في الـ «بي سي أي» أن في جعبة بيار الضاهر «مشروعاً إنقاذياً» سيعلنه قريباً... ولكن، حتى ذاك الوقت، يبدو ان القنوات اللبنانية ستغرف اكثر فأكثر من مقولة ان المشاهد في زمن الحروب والأزمات، يهرب مما يحرّك عقله ويلجأ الى ما يحرّك غرائزه.