: آخر تحديث

العراق وسوريا وبصمات الأكراد

 غسان شربل  

 نحصد الآن ما زرعناه. لم تتنبه دول كثيرة إلى أن الخرائط تحتاج إلى صيانة. كي لا تهرم. أو تتفسخ. وأن العلاقات بين المكونات تحتاج هي الأخرى إلى صيانة مستمرة. وأول شروط الصيانة تقديم مفهوم المواطنة على كل ما عداه. وبناء الدولة التي تستحق التسمية. أي دولة القانون والمؤسسات. دولة المساواة في الحقوق والواجبات.
التمييز بين المواطنين يحدث ثقباً في الخريطة. ومن هذا الثقب تتسرب الرياح والتدخلات. يتوهم الحاكم أن القوة تستطيع إسكات الناس إلى الأبد. ينسى أن موازين القوى يمكن أن تضطرب وتتغير. وأن الطرف المقهور يتحين أي فرصة للثأر. وأن شعوره بالظلم قد يدفعه إلى ارتكاب حلم القفز من الخريطة.
يرتكب الحاكم خطأ قاتلاً حين يعتبر أن الكلمة الأولى والأخيرة يجب أن تكون للقوة. وحين يرفض في أيام قوته الاستماع إلى شكاوى الناس أو مطالبهم. يعتقد أن قدرته على إسكاتهم لا حدود لها. وأن الخوف كفيل بدفع المجروحين والمغبونين إلى تناسي جروحهم والظلم اللاحق بهم.
وأفظع مما تقدم أن ينظر الحاكم إلى مجموعة من أبناء شعبه بوصفها جسما غريبا دسته الأقدار داخل الخريطة. وأن الحل هو شطب ملامح هذه المجموعة. وقطع علاقتها بتراثها. وإضعاف لغتها. وإرغامها على التنازل تدريجياً عن هويتها.
حركت دعوة إقليم كردستان العراق مواطنيه إلى استفتاء حول الاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول) المقبل جمر المسألة الكردية. عارضت بغداد الدعوة. ورفضتها إيران. واعتبرتها أنقرة خطأ جسيماً. ولا غرابة في ردود أفعال هذه الجهات. فالدول التي توزع الأكراد على خرائطها بعد الحرب العالمية الأولى، وهي العراق وإيران وسوريا وتركيا يمكن أن تختلف على كل شيء إلا على ضرورة إجهاض الحلم الكردي بدولة مستقلة.
يعرف مسعود بارزاني هذه الحقيقة. وواضح أن الاستفتاء لن يؤدي إلى إجراءات فورية. علمت التجارب بارزاني التفريق بين الأحلام والأوهام. وأن التسرع في الاستقالة الكاملة من الكيان العراقي قد يجعل الإقليم لقمة سائغة لكبار اللاعبين في الجوار الجغرافي. يسود اعتقاد أن بارزاني يائس من مستقبل العراق برمته، خصوصاً في ظل التناحر المستمر بين المكونين الشيعي والسني. لكن بارزاني يدرك تماماً أن إعادة النظر بحدود الخرائط تشكل مجازفة كبرى ما لم تتوفر مظلة دولية ترعى عملية بهذا الحجم ومن هذا النوع.
سرّع استيلاء «داعش» على الموصل عملية تمزيق الكيان العراقي. ضاعف التنازع بين المكونين الشيعي والسني. وضاعف المسافة بين بغداد وأربيل. حاول «داعش» اجتياح الإقليم الكردي للتحصن في جباله والإفادة من موقعه المتاخم لثلاث دول. خاض الأكراد معركة شرسة للدفاع عن الإقليم وكانت الأثمان باهظة. استنتج الزعيم الكردي مجدداً أن كيانات سايكس - بيكو مصطنعة وغير قابلة للحياة إلى ما لا نهاية. واعتبر أن «الخرائط الجديدة ترسم بالدم».
يعرف بارزاني أن الدولة الكردية في شمال العراق حلم شبه مستحيل. لكنه ربما يسعى إلى تثبيت الحق في الاستقلال، حتى ولو تعذر تحقيقه في المدى القريب. وثمة من يعتقد أنه قد يكون مستعداً للقبول بصيغة أقل من الطلاق الكامل. صيغة تقوم على علاقة كونفيدرالية تعفي أربيل وبغداد من هذا التشابك اليومي في العلاقات. لكن مثل هذه الصيغة تحتاج إلى شريك في الرقص. تحتاج إلى شريك واقعي في بغداد. من دون وجود هذا الشريك قد يكون العراق مدفوعاً بعد انحسار «داعش» نحو نزاع جديد تنطلق شرارته من «المناطق المتنازع عليها» وفي طليعتها كركوك. وهناك من لا يستبعد أن تكون المواجهة المقبلة بين البيشمركة و«الحشد الشعبي» مع كل ما يمكن أن يعنيه ذلك عراقياً وإقليمياً.
الحديث عن العراق يجب ألا يحجب التغييرات العميقة في سوريا. أكراد سوريا اليوم غير أكرادها لدى اندلاع النزاع فيها قبل ستة أعوام. لم يسارع أكراد سوريا إلى الانخراط في الانتفاضة التي شهدتها. اتخذوا في البداية موقف المتفرج مع الاستعداد لما هو أسوأ. إصرار «داعش» على استهداف مناطقهم وفر لهم أكثر من فرصة. نجاحهم في معركة كوباني أكسبهم شرعية كانوا يفتقدون إليها. نجح «حزب الاتحاد الديمقراطي» بقيادة صالح مسلم في عسكرة مجتمع شعر أنه مهدد.
ساد اعتقاد في البداية أن «وحدات حماية الشعب» الكردية لم تقطع خطوطها مع النظام، وأن الأخير قادر على تحريكها لمصلحته في الوقت المناسب. لكن الأكراد نجحوا في تقديم أنفسهم كقوة متماسكة في وقت كانت فيه المعارضة السورية تتشظى في أكثر من اتجاه. عثر أكراد سوريا على دور كبير لهم في محاربة «داعش». تربوا وتسلحوا وراهنت واشنطن على دورهم، على الرغم من غضب إردوغان وتحذيراته. صحيح أن الجيش التركي نجح في منع التواصل الجغرافي بين المناطق الكردية، لكن ذلك لا يلغي أن «وحدات حماية الشعب» تمكنت من تغيير المشهد في مناطق غير قليلة من سوريا.
يقول صالح مسلم إن النظام السوري سقط عملياً. ويقصد نظام الحزب الواحد. وإن العودة إلى ما كان قبل 2011 مستحيلة. وإن مناطق الأكراد ستعيش في ظل الإدارات الذاتية. دور «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة يعزز الاعتقاد أن دور اللاعب الكردي لن يكون هامشياً.
في القرن الماضي رُسمت الخرائط على حساب الأكراد. بدوا وكأنهم سجنوا فيها. الامتناع عن إنصاف الأكراد وصيانة الخرائط قادنا إلى الانفجار. واضح أن بصمات الأكراد ستكون حاضرة في رسم مستقبل العراق وسوريا، وفي ذلك ما يعزز مخاوف تركيا وإيران.

 

 


عدد التعليقات 5
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. المسألة الكردية
شوشو - GMT الإثنين 12 يونيو 2017 11:22
المسألة الكردية ليست معقدة كما يظن البعض، أو كما يحاول تصويرها الساسة الكرد أو الدول الاقليمية. إقعدوا بحالكم وأرضوا بعيشتكم لا أحد يتحرش بكم بعد الآن، لذا أظن موضوع الاستفتاء على الاستقلال مغامرة غير محسوبة المخاطر. هذه المغامرة لن تصب الا في مصلحة امراء النفط والمال والكراسي في كردستان، وإن حدث أن وضعت الدول الاقليمية ايران وتركيا ومعها بغداد الحصار على المنطقة الكردية في شمال العراق سيفنى الابرياء بينما سيهرب البارزاني و ربعه الى الخارج ومعهم حزب الطالباني و رموزه ليتنعموا بمليارات الدولارات التي سرقوها من قوت الشعب خلال أكثر من ربع قرن من أفشل حكم على مر التاريخ لثلاث محافظات لا أكثر! ... لكن من يسمع؟
2.
Abobakar Rashid Mostafa - GMT الإثنين 12 يونيو 2017 13:32
مقالة صحفية جيدة وشكرا جزيلا .
3. لحل المسالة الكردية يجب
حل القضية الارمنية اولا - GMT الإثنين 12 يونيو 2017 20:19
لحل المسالة الكردية يجب حل القضية الارمنية اولا وحل ومعالجة اثار الابادة الارمنية والمسيحية 1878 -1923 على يد المحتل المستعمر التركي وعميله المرتزق الكردي بندقية الايجار ونحن الارمن لن نقبل باقامة كردستان الشريرة في الهضبة الارمنية المحتلة وجمهورية ارمينيا الحرة المستقلة المتحدة باجزائها ارمينيا الشرقية والغربية( الولايات الارمنية السبعة ) وارمينيا الصغرى / كيليكيا والجزيرة الارمنية والخليج الارمني قادمة باسم الرب وبقوته والموت لمجرمي الابادة الارمنيةوالمسيحية والموت لمحتلي الارض الارمنية في شرق وجنوب تركيا الى البحر الابيض المتوسط
4. لماذا
سانا - GMT الإثنين 12 يونيو 2017 20:20
من جماعة نوشيروان اليس كذلك؟ لو ان هذا المقترح جاء منه او من احد من اهل السليمانية لطبلتم للأمر, ولكن لأن الأمر لم يصدر من السليمانية لا يعجبكم, شعوركم بالنقص (لأنكم تريدون على الدوام اثبات انكم افضل من الأخرين والواقع يثبت دائما العكس) هو الذي يجعلكم تقفون ضد الأستفتاء. الأستفتاء لا يصب في مصلحة المفسدين بل في مصلحة الناس, لأننا بعدها نسطيع الألتفات الكامل اليهم , ولكن من اين لأهل السليمانية ان يفهموا !!
5. حل القضية الارمنية اولا
ازالة اثار الابادة الارمن - GMT الإثنين 12 يونيو 2017 20:21
لحل المسالة الكردية يجب حل القضية الارمنية اولا وحل ومعالجة ازالة اثار الابادة الارمنية والمسيحية 1878 -1923 على يد المحتل المستعمر التركي وعميله المرتزق الكردي بندقية الايجار ونحن الارمن لن نقبل باقامة كردستان الشريرة في الهضبة الارمنية المحتلة وجمهورية ارمينيا الحرة المستقلة المتحدة باجزائها ارمينيا الشرقية والغربية( الولايات الارمنية السبعة ) وارمينيا الصغرى / كيليكيا والجزيرة الارمنية والخليج الارمني قادمة باسم الرب وبقوته والموت لمجرمي الابادة الارمنية والمسيحية والموت لمحتلي الارض الارمنية في شرق وجنوب تركيا الى البحر الابيض المتوسط


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد