: آخر تحديث

حدود الأزمة بين أردوغان وترامب

محمد السعيد إدريس

على الرغم مما قد يبدو تهديداً، وحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على استخدامه في خطابه السياسي الموجه ضد الولايات المتحدة رداً على قرار الرئيس دونالد ترامب بمضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة من جانب الولايات المتحدة على وارداتها من منتجات الصلب والألمنيوم القادمة من تركيا لتصبح 50% للصلب و20% للألمنيوم، إلا أن المضمون الحقيقي لهذا الخطاب يمكن وصفه بأنه «تراجعي» و«انسحابي» من دعوة التصعيد التركية ضد الولايات المتحدة ورئيسها بعد تفجر الأزمة الراهنة بينهما على أثر رفض الحكومة التركية الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برانسون المعتقل في تركيا بتهمة دعم المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الرئيس التركي عام 2016، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين ثم مضاعفة العقوبات الأمريكية ضد تركيا. 

كان أردوغان قد تعمد نشر مقالة مطولة بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية ذات الميول العدائية ضد الرئيس الأمريكي، في اختيار له مغزاه الواضح، وهو مخاطبة شريحة أمريكية واسعة من القراء مناوئة للرئيس الأمريكي، وكأنه يريد توظيف هؤلاء كورقة ضغط ضد الرئيس ترامب. في هذه المقالة (11-8-2018) حذر أردوغان من أن «شراكة الولايات المتحدة مع تركيا قد تكون في خطر» مؤكداً أن بلاده قد تبدأ بالبحث عن «حلفاء جدد»، وقال إن «على الولايات المتحدة التخلي عن الفكرة الخاطئة بأن علاقتنا قد تكون غير متكافئة، وأن تدرك أن لدى تركيا بدائل قبل فوات الأوان». 

وإذا كان أردوغان قد حرص على استخدام مفردات «أكثر شعبوية» في خطبه الجماهيرية ضد الولايات المتحدة في محاولة منه لتحفيز الشعب التركي لدعم النظام في مواجهة الانهيار الذي يتهدد العملة التركية، لكن تصعيد المواجهة الأمريكية الراهنة ضد تركيا يأتي في مقدمة هذه الأسباب، فإنه في مقالته بصحيفة «نيويورك تايمز» تعمد اللجوء إلى إظهار أهمية تركيا بالنسبة للمصالح الأمريكية وتذكير الأمريكيين بالأدوار التاريخية التي أدتها تركيا خدمة لهذه المصالح. 

فقد تعمد أردوغان في مقالته تذكير الأمريكيين بأن تركيا والولايات المتحدة شريكان استراتيجيان وحليفان في «الناتو» منذ 60 عاماً وأنهما جابها معاً الصعوبات المشتركة طيلة سنوات الحرب الباردة وما بعدها، وأن تركيا هرعت لمساعدة الولايات المتحدة في كل وقت، وأن قوات بلاده قاتلت مع الأمريكيين في كوريا عام 1950- 1951، كما أشار إلى أن بلاده أرسلت قواتها إلى أفغانستان من أجل إنجاح مهمة حلف الناتو عندما كانت الولايات المتحدة تنتظر أصدقاءها وحلفاءها من أجل الرد على من نفذوا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، الإرهابية. 

على هذا النحو كان الخطاب السياسي لأردوغان في هذا المقال، وكانت خلفياته تقول للحلفاء الأمريكيين «لا نريد التصعيد، ونحن حريصون عليكم»، ولعل هذا ما يدفع للسؤال حول هذا التراجع التركي، وهنا يمكن أن نحدد سببين أساسيين: 

السبب الأول، هو إدراك أردوغان وحكومته حجم الكارثة التي تواجه الاقتصاد التركي جراء الانهيار المتواصل للعملة الوطنية التركية (الليرة) التي فقدت في يوم واحد 20% من قيمتها مقابل الدولار، وإدراكه عجز وسائل العلاج التركية عن مواجهة هذا الخطر، في وقت لم تجد فيه دعوة الرئيس أردوغان للأتراك والمستثمرين للتوقف عن تحويل أموالهم إلى العملات الأجنبية، وخاصة الدولار، أي صدى، ما شكل ضغطاً غير متوقع على الحكومة للتفكير في مخارج من الأزمة مع واشنطن. 

السبب الثاني، وهو الأهم، ويتعلق بإدراك الرئيس التركي للأثمان الفادحة والمزدوجة التي سيكون على تركيا أن تدفعها لتأسيس تحالفات بديلة للتحالف مع الولايات المتحدة. ففك الارتباط والتحالف مع الولايات المتحدة، ستكون له حتماً مردوداته السلبية على مجمل علاقات التعاون العسكري التركية ومنظومات التسليح، وقطع الغيار، وهذه كلها لا يمكن استبدالها بين يوم وليلة، كما أن هذا التوجه لن يكون منعزلاً عن ترديات محتملة في علاقات تركيا مع حلف الناتو. 

في الوقت نفسه فإن الحلفاء البدلاء عن واشنطن وبالذات روسيا وإيران والصين، متورطون في «حرب تجارية» مع الولايات المتحدة أسوأ من حرب تركيا تجارياً مع واشنطن، وهذه الأطراف التي يمكن وصفها بأنها «جبهة المتضررين» من السياسات الأمريكية التجارية الاستفزازية، تبحث عن مخارج من تلك الحرب مع الولايات المتحدة، وهي إن كانت لا تملك حلولاً جاهزة لمشكلاتها مع الأمريكيين، فإنها، حتماً ستكون عاجزة عن إيجاد حلول بديلة للمشاكل التركية مع الولايات المتحدة على المستوى التجاري- الاقتصادي، أما على المستوى السياسي، فالأثمان باهظة والتي سيكون على تركيا أن تدفعها جراء تأسيس تحالفات مع روسيا والصين وإيران في مواجهة السياسات الأمريكية.

تركيا ستجد نفسها مطالبة بتقديم تنازلات سياسية، وربما أمنية، لهذه الدول مقابل تلك التحالفات، فتركيا لها مشاكلها مع إيران وروسيا في سوريا، وأزمة «إدلب» الحالية نموذج مبسط على ذلك، كما أن خروج تركيا من إطار منظومة التعاون العسكري مع الولايات المتحدة والدخول في منظومات أخرى بديلة مع روسيا والصين لن يتم بسهولة.

الحقيقة أن تركيا لا تملك ترف تفكيك التحالف مع واشنطن، على الأقل في الأجلين القريب والمتوسط.
 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. الاقزام
iNFIDEL - GMT الجمعة 17 أغسطس 2018 07:27
لا يمكن للاقزام ان يناطحوا الكبار...اذهب للبحث عن حلفاء جدد....عندما تجد ان عملتهم تسير اقتصاد العالم فابقى معهم


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد