: آخر تحديث

روزيتا فوربس .. الغجرية الباحثة عن دفء الشمس

قيل عنها "سيدة متميزة، وهي امرأة عنيدة ذات تصميم، ومن المحتمل أن تواصل رحلتها من غير تصريح". قالت "أستطيع أن أرتدي أي زي تنكري، أستطيع أن ألون جلدي بأي لون، أستطيع التظاهر بأني امرأة مسلمة، سأسافر وحدي، أستطيع القول إنني الزوجة الثانية لأحد الشيوخ".. هذا ما كانت روزيتا فوربس ستقدم على فعله في سبيل البحث عن أحضان الشمس الدافئة، والارتحال لأجلها في شبه الجزيرة العربية للارتواء منها والارتماء فيها، حين أضنتها شمس مسقط رأسها الباردة في لينكولنشاير عام 1890م. كانت فوربس كبرى ستة أطفال، وكان أبوها هير برت تور أحد الإقطاعيين في لينكولنشاير. تلقى تعليمه في كامبردج، وكان متمسكا بالمثل الاجتماعية العليا، فعمل في بعثة الأكواخ التبشيرية، أما والدتها فهي ابنة رجل أعمال اسكتلندي من أصل إسباني.

أيقنت روزيتا منذ نعومة أظفارها أنها تملك شيئا مختلفا عن الجميع، ورغم إيمانها بذاتها وكثرة المحيطين بها إلا أنها عاشت وحيدة بين صفحات الكتب، فكانت قارئة نهمة. ويبدو أن فوربس تلقت تعليما جيدا خولها لأن تكون صحافية مشهورة عالميا في زمانها وكاتبة يشار إليها بالبنان، ورحالة جابت أكثر من ميدان، وإثر ذلك تم منحها ميداليات ذهبية من الجمعيات الجغرافية الفرنسية والهولندية، وميدالية ذهبية من الجمعية الملكية للآداب، وخلال الحرب العالمية الثانية حاضرت في وزارة الحرب.

ما إن قارب العقد الثاني من عمر فوربس على الانتهاء حتى فرض عليها الزواج من العقيد رونالد فوربس الذي كان يكبرها بـ 12 عاما، وشرعت في السفر مع زوجها إلى الهند وأستراليا، وكانت خلال الحرب العالمية الأولى تقود سيارات إسعاف مساعدة الجرحى العسكريين، وتم منحها ميداليتين، وانفصلت عن زوجها عام 1917م، وخلال إحدى محاضراتها في الجمعية الجغرافية الملكية كان ضمن الحضور العقيد آرثر ماكرات عام 1921م، وكان ضابطا في المخابرات العسكرية البريطانية، وتوج لقاؤهما بالزواج.

كان من بين الأمور التي أسهمت في نشأة فوربس أنها وجدت نفسها في مجتمع ارتفع فيه عدد النساء من الطبقتين الوسطى "البرجوازية"، والعليا "الأرستقراطية" الراغبات في المشاركة في المشروع الإمبريالي البريطاني خاصة قبل الحرب العالمية الأولى، وتباينت المواقف والآراء حول تلك الرغبات؛ إذ كانت على صلة وثيقة بالجدل القديم حول منح المرأة حق الانتخاب أو عدم منحها، وضم القسم المعارض النساء والرجال على حد سواء، إضافة إلى تغير مكانة المرأة في الحياة البريطانية العامة، فرأت كثير من النساء أن من أهم أدوراهن الدور الوطني وأن في سفرهن خارج الإمبراطورية البريطانية مساحة جيدة للتأثير في تركيبة المشهد الاجتماعي الإمبريالي، وإيصال رسالة أوروبا الحضارية العالمية، وأن من واجب النساء الغربيات جلب الحضارة والراحة لشقيقاتهن الشرقيات. وحول ذلك كتبت فوربس في بداية الحديث عن سيرتها الذاتية "بحثا عن بداية كياني كفرد لا كابنة والد لمع رغم كل المشكلات التي واجهته، ولا كزوجة اسكتلندي بهي الطلعة، عشت معه لثلاث سنوات حياة بائسة تماما لا يتصورها العقل. أجد نفسي على سطح مركب يقطع المسافة بين مساوا، والسويس".

كان من أشهر رحلات فوربس الرحلة التي قامت بها على ظهور الجمال 1920م عبر الصحراء الليبية إلى واحة الكفرة الواقعة خارج منطقة الاستعمار الإيطالي آنذاك والخاضعة لسلطة إدريس السنوسي الذي أصبح ملك ليبيا في وقت لاحق، وقد سبق فوربس إلى الأراضي الليبية رحلة استطلاعية أوروبية واحدة، وعملا بتقاليد الرحالات الفيكتوريات أمثال الليدي آن بلنت، وإيزابيل إبير هارت، قامت فوربس بالرحلة وهي مرتدية لباس امرأة عربية مع إضافة كاميرا مخفية تحت غطاء رأسها، ورافقها خلال رحلتها العالم المصري المستكشف أحمد حسنين بيك، الذي أدانت فوربس لخبرته ومعرفته في تحقيق كثير من إنجازاتها. واصلت فوربس رحلتها عبر الصحراء الليبية إلى مصر، وواحة سيوة سالكة طريقا جديدة، وفي عام 1921م وثقت رحلتها في كتابها الشهير "سر الصحراء العربية"، وقد ترجمه إلى العربية صبري محمد حسن تحت عنوان "سر الصحراء الكبرى: الكفرة"، وصدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة عام 2013م. كانت بعثة استكشاف الكفرة بمنزلة الفتح الجغرافي، وتم التعامل مع كتب فوربس ورحلاتها بتقدير تام حيث نوقشت في مجلات الجمعية الجغرافية الملكية وجمعيات آسيا الوسطى.

بعد تمام رحلة فوربس في ليبيا، شكل قدومها إلى شبه الجزيرة العربية خطرا؛ إذ إن عبورها إلى عسير عبر البحر الأحمر قد تعترضه عراقيل مدبرة من الحكومتين البريطانية والإيطالية باعتبارهما القوتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين كانتا تتنافسان للسيطرة على البحر الأحمر عقب نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي شبه الجزيرة العربية كان لفوربس رحلتان الأولى توجت بالنجاح عام 1922م حيث وصلت إلى جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وفشلت في محاولتها الثانية 1924م في الارتحال مع فيلبي إلى صحراء الربع الخالي ومنها إلى الرياض لمقابلة الملك عبدالعزيز آل سعود؛ بسبب اختلاف مسوغات الرحلة بين فوربس من جهة وبين السياسة البريطانية في المنطقة من جهة أخرى، فبريطانيا كانت تنظر إلى ما قد تحدثه رحلات النساء خاصة غير المصرحة من عراقيل من شأنها أن تؤثر سلبا في قوتها وتحقيق التوازن بين القوى السياسية القائمة، والقوى الاستعمارية الأخرى في الشرق الأوسط.

وفي عام 1922م وصلت فوربس إلى عسير والتقت الإدريسي حاكم المخلاف السليماني وكانت عسير ضمن حدود حكمه، وأهدى لها خنجرا طعم مقبضه بالذهب ورصع بأحجار العقيق الكريمة تقديرا لشخصها وزيارتها. وصفت فوربس الحال الدينية والاجتماعية في عسير ودعمت مقالاتها بصور، كما قدمت وصفا للعلاقات السياسية بين الإدريسي والإمام يحيى في اليمن والملك عبدالعزيز آل سعود.

وفي العام نفسه 1922م اتجهت فوربس من عسير إلى جازان، وكان يرافقها كمال فهمي المفتش في شركة سكة الحديد المصرية، وقدمت فوربس وصفا لصبيا، وميناء جازان، ومدنها الساحلية وقراها الداخلية، وقد استقبلهما في جازان ابن الحاكم الإدريسي. وتكمن أهمية رحلة فوربس في هذه الجهات أنها نالت اهتمام الجمعية الجغرافية الملكية التي نشرت سرد فوربس الذاتي لرحلتها في الوقت الذي سادت فيه هيمنة الرجال على الجمعية. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته رحلة فوربس في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، إلا أن الإدريسي رفض منح فوربس تصريحا بالسفر من عسير إلى الرياض؛ لاعتبارات سياسية، وفي المقابل عزفت السلطات البريطانية عن التدخل في قرار الإدريسي، وآثرت عدم الاصطدام به لأن قراره يحقق هدفها في منع فوربس من الارتحال غير المرخص من قِبلها؛ للمسوغات السالف ذكرها.

في 1923م رافقت روزيتا كلا من فيلبي وعائلته والرحالة بيرترام توماس في جولة إلى البتراء، ونظرا إلى الرغبة المشتركة بين فيلبي وفوربس باختراق الربع الخالي، إضافة إلى تحقيق بعضهما مصالحهما وأهدافهما، ففيلبي رأى إمكانية توفير الدعم المالي للاختراق؛ كون فوربس تحقق مكاسب مادية نظير كتاباتها الصحافية، وهي في الوقت ذاته ستخدم الرحلة بما ستكتبه عنها من مقالات بينما يقوم فيلبي بإعداد كتاب مستقل عن الاختراق أو الرحلة. ومما حققته فوربس لفيلبي إيصال أفكاره حول الوضع السياسي في فلسطين وشرقي الأردن في أحد اجتماعات وزارة الهند، دون الإشارة إلى أنها قابلت فيلبي الذي تحتم عليه مقابل ذلك الشروع في إرسال رسول إلى ابن سعود ليطلب منه ويقنعه بمنح فوربس إذنا بالسفر إلى الرياض. وفي الوقت ذاته حرصت فوربس على استخلاص إذن من وزارة المستعمرات البريطانية وريثما يتم ذلك، انطلقت فوربس في جولة عبر الولايات المتحدة؛ لتحاضر فيها عن العرب. وكتبت فوربس في فبراير 1924م إلى فيلبي أثناء وجودها في نيويورك موضحة أهمية رأي ابن سعود وتأثيره في الحصول على إذن منه بالسفر إلى بلاده قائلة "حلم حياتي الآن هو السفر إلى الرياض، وأنا الآن أعتقد أكثر من أي وقت مضى أن ابن سعود هو الشخصية الرئيسية في الجزيرة العربية، علي أن أقابله بطريقة أو بأخرى".

ورغم كل المساعي لم تحصل فوربس على إذن رسمي بالسفر إلى الخليج - وكانت تنوي في خلجاتها الرياض - من وزارة المستعمرات البريطانية، وقد حاولت فوربس الاحتجاج بتصوير فيلم أمريكي في بلاد فارس، والتقاط صور لبعض الآثار الفينيقية في البحرين، وكان رفض وزارة المستعمرات ناتجا عن المعلومات الواردة إليها من مصادرها السرية التي كشفت عن نوايا فوربس في الانضمام إلى فيلبي وقيامهما بحملة استطلاعية مشتركة إلى جنوب غرب الجزيرة العربية فضلا عن عبورهما الربع الخالي والوصول إلى الرياض، وتعذرت وزارة المستعمرات بعدم استقرار الأوضاع السياسية وسط شبه الجزيرة العربية.

وغادرت فوربس إنجلترا تغلفها هالة من الشكوك والانتقاد الرسمي، واستطاعت الوصول إلى بوشهر برفقة مصور سينمائي ومكثت عند المقيم فرانسيس برايدو وزوجته، وأبرق إليها فيلبي أن تقابله في عدن، وعرقل مخططهما في الوصول إلى الرياض بناء على توجيهات عليا من دوائر حكومية بريطانية عدة نقلها لهما المقيم السياسي البريطاني في عدن بعد لقائهما فيها، وكان رد فعل فوربس أن طلبت الذهاب إلى أبيسينيا "إثيوبيا" عوضا عن وسط شبه الجزيرة العربية وكان ذلك في عام 1925م. وفي العام ذاته خططت فوربس للقيام بزيارة إلى الهند وبلاد فارس وأفغانستان وآسيا الوسطى السوفياتية، وجنوب أمريكا، وتقدمت إلى وزارة الهند بطلب الإذن والمساعدة، فكان لها ما أرادت بما لا يتعارض مع المصالح البريطانية في تلك البقاع، واتخذت رحلات فوربس النمط الصحافي السائد في القرن العشرين، فكان هناك المصورون، ودفاتر الملاحظات، ففي أبيسينيا "إثيوبيا" التقطت فوربس صورا ثابتة ومتحركة. قابلت فوربس في رحلاتها قادة سياسيين، ووثقتها في كتبها العديدة ومقالاتها الصحفية، وبعد عودتها إلى لندن سلمت مسودات مقالاتها إلى وزارة الهند.

كانت فوربس كاتبة غزيرة، لكنها آثرت تقديم نفسها بشكل أساسي كرحالة؛ إذ رأت في الترحال وسيلة وجدت من خلالها شخصيتها. اعتمدت فوربس في أسلوبها الكتابي على صياغة المعلومة ببساطة ووضوح بما يخدم القارئ العادي ويشد انتباهه على غرار كتابات النساء الرحالات. فاضت كتاباتها برؤى استشراقية، وبمعرفة لمن سبقها من الغرب إلى البقاع التي حَلت فيها، وكانت تقدم نفسها كخارجة عن تراتبية المعرفة والسلطة الذكورية، وفي الوقت عينه كثيرا ما كانت تؤكد عمق علاقاتها الشخصية البحتة مع نساء ورجال ليسوا من الغرب. نشرت روزيتا فوربس عام 1935م كتابها الموسوم بـ "نساء يدعين جامحات"، وهو مجموعة من القصص لنساء قابلتهن أثناء عملها الطويل في الارتحال والاكتشاف في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط. وقدم بيرسي سايكس عرضا لكتابها، وأقر بالمعلومات القيمة التي جاء بها الكتاب حول تجارة الرقيق، ومما كتبه سايكس "لا بد أن فوربس قد ارتحلت أكثر من أي رحالة آخر ما زال على قيد الحياة، وقد قطفت من كل بستان زهرة... ويعد الكتاب برهانا صارخا على قدرة الكاتبة الملحوظة على سبر غور كل مكان كانت تمر به".

سلم كبار الموظفين البريطانيين بحقيقة أنهم لن يستطيعوا معرفة ما تفعله فوربس، التي سافرت حول العالم ولم تتوقف حتى وفاتها عام 1967م في برمودا. "وقد وصفت نفسها في مجاز ملائم لسحر السفر وحريته وتفرده، بالغجرية الباحثة عن الشمس".

آمنت روزيتا فوربس بنفسها وقدراتها، لم تصغِ إلى صرخات المثبطين الدافعة إلى الوراء التي تزدري كل نجاح وتحاول إعاقته، ومنها قول الجنرال البريطاني في عدن "عودي إلى إنجلترا واستمتعي بحياتك، واشتري لنفسك مزيدا من القبعات الواسعة تلك التي رأيتك ترتدينها". وظفت روزيتا فوربس كل الإمكانات وقبلها العقبات في سبيل تحقيق شغفها والاستمتاع به.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد