حسن حنفي 

كنا ونحن صغار نهتف بسقوط معاهدة سايكس بيكو حتى كبرنا. ومازال اسم صانعي المعاهدة يرن في آذاننا بتمزيق الأمة العربية إلى دول، حيث استولت القوتان الكبيرتان في ذلك الوقت، إنجلترا وفرنسا، على ممتلكات «الرجل المريض»؛ أي الدولة العثمانية بعد خسارتها مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وكان من الطبيعي أن تسقط الإمبراطورية العثمانية بعد أن امتدت أطرافها غرباً حتى فيينا وشرقاً حتى روسيا القيصرية، وشمالاً في شبه جزيرة القرم، وجنوباً إلى مصر والمغرب العربي حتى الجزائر.

وقسمت المعاهدة الوطن العربي إلى دول ذات حدود مصطنعة، فنشأت الخلافات الحدودية بين الدول. ثم نشأت الحركات والأحزاب الوطنية للتحرر من الاستعمار. بدأت في سوريا ولبنان ضد الاستعمار الفرنسي، ثم في تونس والمغرب. وقامت حركات التحرر الوطني في مصر وكان شعارها «الاستقلال التام أو الموت الزؤام». ثم ناضلت في الجزائر بحرب المليون شهيد ضد فرنسا، وكان آخرها في اليمن. وقاد عبد الناصر هذه الحركات الوطنية، وأمدها بالسلاح كحالة الجزائر مثلاً.

وبدأ تيار القومية العربية في الانتشار من مصر وسوريا، وتوحدت البلدان في الجمهورية العربية المتحدة، وانتشر التيار القومي الناصري عبر ثورات في: العراق (1958)، واليمن (1964)، وليبيا (1969).. ثم بدأ يخبو بوفاة عبد الناصر عام 1970، وربما قبل ذلك إثر هزيمة 1967.

لكن التيار القُطْري سيطر فيما بعد، فكل قُطْر مشغول بمشاكله، وعقدت مصر السلام مع إسرائيل، بينما كانت سيناء منزوعة السلاح، والضفة الغربية والجولان محتلين، فخاصمها العرب، وانتقلت جامعتهم إلى تونس. وبعد مصر، عقد الأردن معاهدة «وادي عربة»، وأصبحت المبادرة العربية للسلام مطروحة منذ عام 2000، ولا يأخذها أحد.

وقد جرّب العرب الوطنية، ثم القومية، ومن قبلها الليبرالية.. فتم احتلال نصف فلسطين في 1948، والنصف الآخر في 1967.

وجاء «الربيع العربي»، وحدث ما حدث في مصر وتونس وليبيا واليمن، وما زالت الأحداث دائرة في سوريا والعراق. في سوريا تدخلت روسيا دفاعاً عن رئيسها، وتدخلت إيران لمناصرة أتباعها من الشيعة في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وهي تزهو بأنها تحتل أربعة عواصم عربية! وهكذا دخلت دول «الربيع العربي» في حروب طائفية وقبلية وعرقية ومناطقية.

وبدأ مخطط التفتيت في الداخل قبل أن يكون تآمراً من الخارج. فالمنطقة قابلة للتفتيت. تفتت نفسها بنفسها. وانشغلت مصر بمحاربة الإرهاب في سيناء وفي الوادي. وظهرت الحروب بالوكالة، بين روسيا وأميركا، وبين إيران وتركيا. وهكذا أصبح العرب أمام سايكس بيكو جديدة أسوأ من القديمة. ويتمنى الناس لو عادوا إلى سايكس بيكو القديمة التي قسمت الوطن العربي إلى دول تم استعمارها، ثم قامت فيها حركات تحرر وطني. وهذا أفضل من مخطط التفتيت وواقعه القائم الآن.

وهذه المرة تكسب إسرائيل حربها بلا قتال، بعد أن صدرت الحروب إلى الوطن العربي. وتملأ هي وأميركا وإيران الفراغ في المنطقة. وروسيا تصل إلى المتوسط (المياه الدافئة). ويعود العرب بحاجة إلى رسالة جديدة توحد طوائفهم.. فهل يظهر صلاح الدين أو محمد علي أو عبد الناصر.. من جديد؟ وهل يظهر وعي عربي جديد يستحضر التجارب السابقة؟ وهل يتقدم المجتمع المدني باتحاداته وروابطه وهيئاته ومنظماته؟

لا ينبغي أن يتعلق أمل العرب بالرجوع إلى الماضي (سايكس بيكو)، وإلا لأصبحوا سلفيين ودعاة عودة إلى عصر الخلافة! بل ينبغي أن يكون أملهم في الطموح إلى نموذج مستقبلي جديد. والأرجح أن النظام الفيدرالي قادر على حماية الأوطان وفي نفس الوقت الحفاظ على القوميات. إن أميركا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وانجلترا.. كلها دول فيدرالية. والاتحاد الأوروبي مكون من الدول الأوروبية، ويحافظ لكل منها على استقلالها، لكنه يرفع الحدود، ويتعامل بعملة واحدة ضمن اقتصاد موحد وسياسات متناسقة.

لدينا الجامعة العربية، وكلنا نشتكي من عدم فاعليتها، لكن لماذا لا نطورها إلى نظام فيدرالي يحمي حقوق الجميع؟ إن الاجتهاد الجماعي قادر على أن يبدع نظاماً عربياً جديداً بناءً على شعار «الوحدة في التعدد، والتعدد في الوحدة»، بدلاً من حلم القومية القديم، وواقع التفتيت الحاضر. هذا هو المستقبل.