: آخر تحديث

البحث عن الجزائر... بحثٌ عن مستقبلها

 خالد عزب 

في كل زيارة للجزائر أتيقن من أن هذا البلد الكبير المساحة ذا الكثافة السكانية النسبية والقدرات الهائلة والثروات المتعددة، لم يأخذ حجمه الطبيعي بعد إقليمياً ودولياً، لكنك إذا تجولت بين مدنه ستجد روحاً محملة بالتساؤلات حول المستقبل. هنا تبدو الجزائر كأنها تنتظر تغييراً، فأي مستقبل يسعى إليه الجزائريون؟

لا يريد الجزائريون تغييرات عنيفة تهز أركان الدولة والمجتمع، فهم بعد تجربة العشرية السوداء، صاروا مثخنين بالمشاعر المضطربة والآلام المبرحة، لذا فهم حذرون بشدة، يفضلون استقرار بلدهم. هنا نجد الجزائريين يستدعون من المخيلة عهد هواري بومدين الذي كان الأطول في تاريخ الجزائر المعاصر، الأكثر استقراراً والأكثر سحراً في هذه المخيلة .

لكن هذا يؤشر إلى أن الجزائر ومع حزب جبهة التحرير لم تتجاوز مرحلة ما بعد الاستقلال، فمازالت المقولات التاريخية لمرحلة حرب التحرير جاثمة على الحياة السياسية رغم رحيل معظم رموزها، بل واحتفاء الجزائر بمرور نصف قرن على الاستقلال. هذا يعني أن الجزائر يتراوح الوضع فيها ما بين العيش في المرحلة الثورية للاستقلال التي انتهت بحكم الواقع وحكم الزمن، وما بين الحاضر القلق في توجهاته وأهدافه، إلي الحاضر الذي يبحث عن طريق المستقبل. هناك جيل صاعد يبحث عن مستقبل أفضل في ظل رغبة عارمة للنهوض ووعي بأهمية الحفاظ على الوطن ومقدراته غير المستغلة بعد، مثل الأراضي الزراعية أو العمق الصحراوي أو القدرات السياحية.



الإشكالية هي أن الجزائر لم تحسم مواقفها من التوجهات الاقتصادية، فهي كدولة مازالت قابضة على الاقتصاد بقوانين اشتراكية تم تغيير وتعديل بعضها، في وقت ما زالت الدولة تتعامل بحذر مع القطاع الخاص، الذي ينمو ببطء ويساهم بقدر ليس بالكبير في الحراك الاقتصادي، هنا تبدو الجزائر، تحتاج إلى اطلاق العنان لصغار المستثمرين الوطنيين، فهذا البلد لديه ثروات هؤلاء هم مفتاح تنميتها، رمز هذه الثروة تمور دقلة النور التي تجود في الجزائر، تنتجها تونس وتصدرها بنجاح، بل ويصل الأمر إلى استيرادها من الجزائر وإعادة تصديرها تحت العلامة التونسية .

هنا نذهب إلى الحياة الثقافية في الجزائر التي شهدت حراكاً رسمياً مع الوزيرة خليدة تومي ثم مع الدكتور عزالدين ميهوبي وزير الثقافة الحالي، لكن هذا الحراك لم يقابل على الصعيد العربي بما يوازيه فقد زاد عدد الكتب المنشورة في الجزائر، لكن الكتاب الجزائري ما زال صعب المنال علي الباحثين والقراء. أنظر إلى رموز الجزائر على الساحة العربية: واسيني لعرج وأحلام مستغامني من الأدباء ومن المؤرخين ناصر الدين سعيدوني، وغيرهم. هؤلاء نجد على الساحة الثقافية في الجزائر الآلاف من العلماء والمبدعين معرفون في الداخل لكنهم عربياً غير موجودين، عزالدين ميهوبي بذل جهوداً لكسر هذه الحاله فقدم عدداً منهم في معرض القاهرة للكتاب في 2018 لكن قصوراً ما لدى دور النشر الجزائرية في تقديم انتاجهم مازال في حاجة للعلاج، مثلت المجلة الثقافية الجزائرية اختراقاً على شبكة «الإنترنت» لهذه الحالة فأصبح الحراك الثقافي الجزائري له وجود نسبي مدرك عربياً. ويلاحظ أن الأجيال الجديدة من المثقفين والمفكرين الجزائريين تتفاعل عبر الفضاء الرقمي عربياً، وما يمثل إنجازاً هو الاعتراف الرسمي بالثقافة والمكون الأمازيغي، وهو مكون له عمق تاريخي وتراث معتبر. ثم الآن بدأت الإنكليزية تزاحم الفرنسية في الجزائر، وكذلك في المغرب، وهو بعد لم يكن في الحسبان منذ سنوات قليلة، لكن تبقي اللغة العربية ومكوناتها تطرح نفسها بقوة ثقافياً على الساحة الجزائرية، في ظل نبوغ عدد من الأدباء الجزائريين في بخاصة في الرواية، سواء المكتوبة باللغة العربية أو باللغة بالفرنسية، ومن هنا صار التفوق الأدبي تعبيراً عن صراع لغوي وصراع هوية .

على المستوى المجتمعي، هناك ما يشير إلى التحول من مجتمع ذكوري إلى مجتمع تلعب فيه المرأة دوراً كبيراً وتشارك فيه، بقوة في السياسة وفي الإنتاج وفي الحراك الثقافي، فضلاً عن تراجع السلطة الأبوية على الأسرة، وصعود ظاهرة العنوسة في المدن، ونمو المدن ديموغرافياً على حساب الريف. وإذا سألتني هل تقدر الجزائر، نعم ، هذا شعب إذا أحبك أعطاك بلا حدود وإذا اتخذ موقفاً كان موقفه صعباً تجاهك، فهو على الطبيعة الإنسانية، لذا حينما أحب جمال عبدالناصر أحبه بجنون، وحينما كره الرئيس المصري أنور السادات تعامل بعنف مع المصريين بسبب زيارته لإسرائيل. هذا واقع لم يعالج إلى الآن نراه في مباريات كرة القدم، لذا من يفهم هذا البلد وموروثه سيعرف كيف يتعامل معه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد