قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&عبدالله بشارة

& &قرأت باهتمام سلسلة الأوراق الخاصة للرئيس جمال عبدالناصر، التي أعدتها وأصدرتها ابنته د. هدى جمال عبدالناصر، في خمسة مجلدات، فالجزء الأول أقصرها، وجاء بأكثر من 300 صفحة، والثاني بـ610 صفحات، والثالث 620 صفحة، أما الرابع بـ965، وما زلت في انتظار الخامس.

قدمت د. هدى ثروة رائعة من تاريخ مصر في أخطر فصولها، وعن كل أحداثها، وبقلم الرئيس جمال عبدالناصر، ومن رسائله، ومن تعليماته، وترجمة لمعاناته، وسأشير في هذا المقال إلى الجزء الرابع، الذي يحتوي على كل وثائق عبدالناصر الخاصة خلال الوحدة المصرية ــ السورية، فهذا الجزء يختزن المراسلات الخاصة بين الرئيس جمال عبدالناصر وبين نكيتا خروشوف..


هذه الرسائل أشعلت العلاقات بين البلدين واتسعت نحو خصومة فكرية وفلسفية بين القومية العربية وبين الفكر الشيوعي، وانعكست على أوضاع الشيوعيين في مصر وفي سوريا ووصل الحد إلى اتهام خروشوف للرئيس عبدالناصر بأنه يتعمد إبعاد العناصر الوطنية الثورية مثل خالد العظم وآخرين في سوريا، وكتاب وفلاسفة في مصر، وكانت هناك اتهامات متبادلة حول العراق ومن الذي يعرض الأمن الثوري العراقي للمخاطر، وأكثر من ذلك تشير الحوارات عبر المراسلات إلى استخفاف خروشوف بالرئيس المصري، الذي يصفه بشاب مغامر لا يعتمد على انضباط في مسلكه، وفيها ردود الرئيس عبدالناصر على هذه الاتهامات، وبقوة، وكانت هذه الرسائل تصل إلى عشرين صفحة كل واحدة، وهي أربع بين الطرفين.
كانت أزمة دخل فيها المترجم الروسي، الذي يقول الرئيس عبدالناصر انه لم يفهم ما كان يقوله الرئيس المصري، وترجمها بمعان لم تأت على بال الرئيس ولم يقصدها، ويرد خروشوف بأن كل شيء منقول على أشرطة، يشرف عليها متخصصون، وبمقدرة يعتمد عليها بكل ثقة، على عكس الجانب المصري الذي كان يتكلم من دون مختصين يعدون المحاضر، فيرد الرئيس عبدالناصر بأنه بعد كل اجتماع عقده مع خروشوف يجتمع مع فريقه، ويقدم له تقريراً وافياً عن المباحثات، ومن المقارنة بين الصيغة الروسية والصيغة المصرية، يظهر الاختلاف في الترجمة.
ومهما كانت أخطاء الترجمة، فالرسائل تنقل غضب كل من الطرفين لاتهامات الآخر، وفيها نقد وعتاب وكلمات عن انعدام الاعتراف بما قام به الاتحاد السوفيتي، ورفض الادعاء المصري بأن مصر حاربت وحدها في 1956، وكلام طويل عمّن يتدخل في العراق، وعن كيفية التعايش بين الدول العربية الثورية، وبين الدول العربية المحافظة كما يشير خروشوف، ويرد عبدالناصر مدافعاً عن طبيعة العلاقات بين الدول العربية، التي تستند على تراث وثقافة ودين وترابط مهما كان التباين في الأنظمة، تظل لها آلياتها الخاصة، ولا يوجد تعارض بين مصر الثورية الاشتراكية والدول العربية، فالروابط القومية أقوى من الأيديولوجيات.


كانت الرسالة الأولى من خروشوف إلى الرئيس عبدالناصر في 19 فبراير 1959، ويبدأ الزعيم الروسي بأنه يود نقل بعض الاعتبارات، التي ينبغي مراعاتها فيما يخص المسائل التي تطرق إليها مؤخراً رجال الدولة في الجمهورية العربية المتحدة، في حواراتهم مع ممثلي الاتحاد السوفيتي، مشيراً إلى ان الأحداث الأخيرة سببت لكم ــ أي لعبدالناصر ــ قلقاً شخصياً، وأثارت شكوكاً حول عدم تغيير الموقف السوفيتي من حركة التحرير الوطني العربي، ويرفض خروشوف بقوة الاتهامات المصرية، التي كانت تتردد بأن موسكو لها يد في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، ويتهم الغرب بأنه يقدم معلومات خاطئة إلى القيادة المصرية عن تغلغل الشيوعية في اليمن وفي سوريا ومصر، كما أن القيادة المصرية لم تلتفت إلى النصائح المخلصة من قيادة موسكو حول سوريا وتسرعها في الوحدة، وهي الآن تعاني نتائح التسرع.
كانت الرسالة الأولى التي أرسلت في فبراير حول سوريا ووضعها السياسي الداخلي وسوء تقدير مصر لهذه الأوضاع وكانت رسالة عتاب أكثر من اتهام.
لكن الرسالة الثانية في أبريل 1959، تختلف تماما عن العتاب إلى الاتهام، حيث يكتب خروشوف ان اتهاماتكم بأن الاتحاد السوفيتي لم يساندكم خلال العدوان الثلاثي عام 1956، رغم أنكم تعرفون أن هذا القول يختلف عن الحقيقة، ويتحدث عن ثورة العراق 1958، قائلاً ستتخذ جميع التدابير المساندة لثورة العراق، لكنني أعربت لكم بأننا يجب أن نبذل كل ما في وسعنا بالطرق السلمية دون خوض حرب، ولأنني أعرفكم جيداً وأعلم مدى التزامكم، خشيت أن يحثكم دعمنا اللامحدود لمشاعركم العدائية على القيام بعمل عسكري كنا نعتبره دائماً أمراً غير مرغوب فيه، وربما تفسرون دعمنا لكم على أنه قبول منا للعمل العسكري.


ويواصل اتهاماته، أنا لا أعرف إخفاء الحقيقة فعندما لا نوافق على اقتراحكم الخاص بتوريد قاذفات القنابل والصواريخ المتوسطة المدى لكم، تبادر إلى ذهننا أنكم ربما تحت تأثير حالة الحماس الجياشة، التي سببها الوضع السائد، قد تتخذون بعض الاجراءات غير المواتية تفضي إلى حرب.
ثم ينتقل خروشوف إلى الاتهام بأن عبدالناصر اشتكى من سياسات الحكومات العربية المجاورة، وما هي الوسائل الضرورية لتغيير هذه الأنظمة، التي تظهر عداء للجمهورية العربية المتحدة، وكان رد خروشوف إظهار طول البال والتسامح وعدم التدخل في الشؤون الدول الأخرى، لكن عبدالناصر ابتسم، وقال تقييم خروشوف للوضع العربي لا يتسم بالواقعية، فالوضع لا يتغير من دون تدخل عسكري وأن هناك حاجة إلى تدابير أكثر حزماً.
كان رد الرئيس عبدالناصر على هذه الرسالة الطويلة واضحاً وطويلاً، وفيها استعراض للعلاقات منذ بدايتها، بما فيها موقف موسكو من العدوان الثلاثي، وإشارة عبدالناصر إلى زيارة الرئيس السوري القوتلي إلى موسكو إبان العدوان، ورد خروشوف بأن الاتحاد السوفيتي غير مستعد لدخول حرب عالمية، كما أشار عبدالناصر الى أن هناك أخطاء كبيرة في الترجمة، فلم يقل إنه يريد أسلحة لمحاربة العرب الآخرين، وإنما تساءل عن موقف موسكو لو قامت ثورة في هذه البلدان واحتاجت للعون من موسكو، لصد تدخل امبريالي، وحدث خلاف حول دقة الترجمة.. فخروشوف لا يصدق الترجمة المصرية، والواقع أن مسار الجلسة يوحي بأن عبدالناصر أقرب إلى الحقيقة في هذا الخلاف التاريخي حول الترجمة..
عظيم أن يخرج من مصر الغيورة على أسرارها هذا الملف المدهش من فم الحصان، الذي مات شاباً من صخب الحياة التي اختارها.

&