: آخر تحديث

أضحوكة الديمقراطية في تركيا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد نور الدين

بعد انقضاء عشرين يوماً على إجراء الانتخابات البلدية في تركيا، صدرت أخيراً نتائج مدينة إسطنبول، التي كان فاز بها بشكل غير رسمي منذ اللحظة الأولى مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو على مرشح حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق بن علي يلديريم.
النتائج الرسمية أكدت انتصار إمام أوغلو؛ لكن يجمع المراقبون داخل تركيا على أنها المرة الأولى التي يتأخر فيها صدور النتائج الرسمية لهذه المدة الطويلة. ولقد اعترض حزب العدالة والتنمية أولاً على ما سُمّي بالأصوات الملغاة فتمت إعادة احتسابها. ومن ثم اعترض على الأخطاء في العدّ في العديد من دوائر إسطنبول فتمت إعادة العدّ. ومن ثم طالب بإعادة العدّ في دوائر إضافية. ومع كل يوم كان يعترض على شيء ما. ووصل الأمر بنائب رئيس الحزب للشؤون الانتخابية علي إحسان ياووز إلى القول إن التحضير لتقديم «اعتراض استثنائي»، وفقاً لما ينص عليه القانون، قد اكتمل، وسيتم تقديم طعن يطالب بإعادة الانتخابات في إسطنبول برمتها. ولم يكذب ياووز خبراً؛ إذ بادر يوم الثلاثاء الماضي إلى تقديم اعتراض بهذا الشأن هللت له وسائل الإعلام الموالية لأردوغان كما لو أن إعادة الانتخابات باتت أمراً واقعاً. 
وإذا كانت عملية إعادة احتساب الأصوات في إسطنبول شكلت فضيحة كاملة، فإنه لو أن اللجنة العليا للانتخابات وافقت على إعادة انتخابات مدينة إسطنبول لشكّل ذلك سابقة وفضيحة مزلزلة للديمقراطية التركية المشوبة أصلاً بالكثير من الشوائب. ومع ذلك فإن ما جرى منذ عشرين يوماً حوّل الديمقراطية في تركيا إلى أضحوكة بعين العالم.


وفي تأخير إصدار نتائج إسطنبول تتحمل اللجنة العليا للانتخابات التي لم تعرف بعد كيف تخرج من سطوة حزب العدالة والتنمية والعمل لمصلحته بالتجاوب مع طلباته الاعتراضية، مسؤولية كبيرة في اللغط الذي أثير مع فرز النتائج.
جاءت الشكوك حول جدية حزب العدالة والتنمية في الامتثال لصندوق الاقتراع مع تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن تقدمَ طرف على آخر بفارق 10 أو 15 ألف صوت لا يعطيه الحق بادعاء الانتصار؛ وذلك رداً على تقدم إمام أوغلو ومطالبته اللجنة العليا بإعلان فوزه رسمياً. كلام أردوغان جاء ليناقض تصريحات له بأن صندوق الاقتراع هو الحكم وبإعلان اللجنة العليا فوز بعض مرشحي حزب العدالة والتنمية على خصومهم بفارق لا يتعدى العشرات أو أقل من الأصوات. فيما فارق ال15 ألف صوت لا يعترف أردوغان به.
أيضاً وفي سابقة سلبية جداً، فقد بادرت الحكومة بالضغط على اللجنة العليا للانتخابات للقيام بعدم الاعتراف بفوز رؤساء البلديات في المناطق الكردية الذين كانوا قد عزلوا قبل انقلاب عام 2016 بتهمة الإرهاب والتعامل مع حزب العمال الكردستاني، والاعتراف بفوز الخاسرين وهم من حزب العدالة والتنمية أو تعيين آخرين بدلاً منهم. ولو كان هؤلاء من الإرهابيين فلماذا قبلت اللجنة العليا ترشيحهم في الأساس؟. 


كلام أردوغان أعلاه ومحاولة الانقلاب على النتائج في أكثر من محافظة منذ ساعات الفرز الأولى كما عزل رؤساء بلديات أكراد فائزين منذ الآن، ألقى ظلالاً كثيفة على مصداقية العملية الديمقراطية في تركيا. وهو ما دفع عبد الله غول، الرئيس التركي السابق ورفيق درب أردوغان في الحزب، للتحذير مما يجري، قائلاً: إنه «من غير المقبول أن نمارس ضد غيرنا نفس الذي مورس ضدنا في زمن حكم العلمانيين والعسكر». وقال: إنه يجب إبقاء تركيا بعيدة عن شبهات الشك في مصداقية وشفافية العملية الانتخابية. ورغم أهمية موقف غول فإنه بقي، برأي إمام أوغلو، خجولاً ويحتاج لنبرة أقوى.
يدرك قادة حزب العدالة والتنمية أن تغطية ملفات الفساد الكبرى، ولا سيما في بلدية إسطنبول وحرف الأنظار عن تردّي الوضع الاقتصادي، ولا سيما تراجع القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع نسبة البطالة ولا سيما وسط الشبان والشابات إلى مستوى قياسي (حوالي 27 في المئة) وتحويل الاقتصاد إلى شركة مساهمة عائلية، ومحاولة تغطية الفشل في الترويج للشعار المخادع الذي أطلق أثناء الحملات الانتخابية حول أن مصير تركيا ومستقبلها مهددان ولا يحميهما سوى استمرار حزب العدالة والتنمية في السلطة؛ أن كل هذا لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية، وأن تداعيات ما بعد استلام إمام أوغلو مهامه البلدية في إسطنبول ومنصور ياواش في أنقرة ستكون كبيرة على مستقبل كل سلطة حزب العدالة والتنمية. 


فما الذي ستحمله الأيام المقبلة من تطورات وتداعيات ومفاجآت ومضاعفات بعدما أسقط بيد حزب العدالة والتنمية وأقرّت اللجنة العليا للانتخابات، مكرهة، بالنتائج وفي رأسها مدينة إسطنبول وبالانتصار الكبير جداً للمعارضة؟.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد