: آخر تحديث

ما تداعيات نهاية شهر العسل الفرنسي- الألماني؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 فولفجانج مونشو 

سيطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على لقاءات المجلس الأوروبي الأخيرة. على أن النقطة الجوهرية المستخلصة من تلك اللقاءات، ينبغي أن تكون التركيز على أو التذكير بالتصدعات الواضحة في العلاقة الفرنسية-الألمانية المتينة، التي تشكل القلب الصلب لكيان الاتحاد الأوروبي.
قد يكون رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقبول رأي الأغلبية، بقيادة ألمانيا، في الموافقة على تمديد طويل لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أوضح إشارة على نهاية شهر العسل بين البلدين. 
الواقع أن الموقف المتشدد من قبل الرئيس الفرنسي قد فاجأ معظم المراقبين السياسيين الألمان. 
أعرب بعض أعضاء حاشية أنجيلا ميركل في بروكسل عن غضبهم الشديد من تمرد ماكرون. كيف تجرأ هذا، وعلى هذا النحو؟
ما يفتقده النقاش في ألمانيا، هو أن أولئك المراقبين بل والساسة أيضا، لا يدركون أن ماكرون لا يدين بالكثير للمستشارة الألمانية ميركل. 
لقد تمكنت المستشارة المخضرمة من صد معظم مقترحات الرئيس الشاب، بشأن تطبيق إصلاحات اقتصادية ومالية جمة في منطقة اليورو. 
ما تبقى من طروحات ماكرون الإصلاحية - برنامج إنفاق هيكلي صغير في موزانة الاتحاد الأوروبي - يواجه تحديا من هولندا الآن.
في الأيام الأولى من حملته الرئاسية، أحاط ماكرون نفسه بمستشارين من ذوي الروابط الوثيقة مع برلين. هؤلاء كانوا بعضا من أكثر الناس المؤيدين لتوجهات ألمانيا في فرنسا. كثيرون منهم يتحدثون الألمانية بطلاقة، على غرار طلاقتهم في التحدث بلغة لافونتين، وقد بنوا عديدا من العلاقات الشخصية عبر الحدود مع شخصيات ألمانية وازنة.


كان من شأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بقيادة زعيمه السابق مارتن شولتز، أن يكون الشريك المثالي لماكرون. 
إلا أن شولتز، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي، لم ينج من وكر ثعابين السياسة الداخلية الألمانية لوقت طويل. بعد نتيجة انتخابات مخيبة للآمال، غادر خط المواجهة.
بالتالي، ها هي ألمانيا تعود ببطء إلى معاييرها السياسية القديمة الراسخة.\
استغرق هذا الإدراك بعض الوقت في باريس. على أن الإعلان الأخير عن مقترحات بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي من أنيجرت كرامب كارينباور، التي خلفت ميركل في زعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم، في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كان بمنزلة قرع الجرس لإفاقة الدوائر السياسية في فرنسا، وتنبيه بالتغير الحاصل. تمكنت أي كي كي كما تعرف في ألمانيا، من أن تصدم المؤسسة السياسية الفرنسية، بجملة من المقولات.


لقد دعت فرنسا إلى التخلي عن مقعدها الدائم في مجلس الأمن الأممي (لمصلحة الاتحاد الأوروبي ربما) وبناء حاملة طائرات مشتركة مع ألمانيا. 
تفتقر هذه المقترحات للتناغم أو المنطق، بالذات في منظور الفرنسيين، بالنظر إلى انخفاض الإنفاق الدفاعي في ألمانيا. \
كما دعت أي كي كي فرنسا إلى التخلي عن ستراسبورج كأحد مقري البرلمان الأوروبي. أي كي كي زعيمة مؤثرة تركز على الوضع المحلي، وغير راغبة في التقيد برأي ما حول أوروبا. 
لذا فإن المشكلة، من المنظور الفرنسي، ليست ميركل. المشكلة، إذن، فيما سيأتي بعد ميركل.


تتمتع فرنسا وألمانيا بعلاقات ثنائية أعمق من أي بلدين آخرين ضمن الاتحاد الأوروبي، ويعود تاريخ هذه العلاقات إلى أيام المستشار الألماني كونراد أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديجول، في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، من القرن الماضي. 
ميركل وماكرون جددا وعودهما في معاهدة آخن، إلا أن العلاقة تمر بأزمات دورية. وأخشى أننا نتجه نحو واحدة منها، على أنها أكبر.
إذا فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسوم جمركية مرتفعة على السيارات الأوروبية وغيرها من السلع، كما يهدد بشكل دوري، فإن ألمانيا ستدفع الاتحاد الأوروبي نحو القبول باتفاق للتجارة الحرة. 
حينها، فإن ماكرون سيقاوم، دون أدنى شك. ذلك أن الزراعة الفرنسية إذا فتح الاتحاد الأوروبي أسواقه أمام واردات غذائية أمريكية، كما تطلب الولايات المتحدة. فيما يتعلق بالتجارة، تتعارض مصالح فرنسا وألمانيا، تماما. 
هناك سبب آخر متوقع للنزاع: ألا وهو معارضة ماكرون المحتملة لترشيح مانفريد ويبر الألماني لرئاسة المفوضية الأوروبية. 
ويبر، هو الاختيار الرسمي لحزب الشعب الأوروبي الذي ينتمي إلى يمين الوسط، موصوم بدعمه الطويل لفيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر المعادي علنا للسامية.
الاختبار الأكبر الوحيد سيكون أزمة أخرى في منطقة اليورو. لو لم يتخذ البنك المركزي الأوروبي تدابير صارمة، لما كانت منطقة اليورو لتنجو، ربما، من أزمة الديون السيادية الأخيرة. 
مع انخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل بنسبة سالب 0.4 في المائة، وعدم وجود شهية لمزيد من تطبيق سياسة التيسير الكمي، أصبح مجال البنك المركزي الأوروبي للمناورة في السياسة النقدية، أكثر تقييدا اليوم. 
وكما لاحظ صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن الاستقرار المالي العالمي، فإن الهوة بين المصارف والمقترضين السياديين، لا تزال قائمة. 
معنى ذلك أن الاتحاد المصرفي ضمن الاتحاد الأوروبي، لم يحدث فرقا.


عودة الأزمة بين العملاقين الأوروبيين ليست تهديدا بعيد المنال. قد يكون تزامن التباطؤ الاقتصادي في القارة مع وضع مماثل في الاقتصاد العالمي، هو كل ما يتطلبه الأمر، لتفجرها. 
الشركات الفرنسية مثقلة بالديون. والسياسات المالية لإيطاليا تخرج عن السيطرة مرة أخرى، أي أن احتمالية إعادة هيكلة الديون السيادية الإيطالية آخذة في الارتفاع.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن فرنسا أكثر انكشافا أمام إيطاليا من ألمانيا. تحتاج منطقة اليورو بشدة إلى اتحاد لأسواق رأس المال، مع آلية ديون سيادية مشتركة تعمل على تحقيق استقرار مالي طويل الأجل، إن لم يكن مستداما. 
كما تحتاج المنطقة النقدية المشتركة إلى قواعد مالية منقحة لتشجيع الاستثمار. 
على أن كلاهما من الأمور المحظورة في ألمانيا. سيتعين على ماكرون أو خليفته، مواجهة ألمانيا من أجل دفعها إلى الاختيار بين الإصلاح أو خطر التفكك، في نهاية المطاف.
لا تختلف فرنسا وألمانيا حول مبدأ التكامل السياسي الأوروبي، إلا أنهما على خلاف حول التفاصيل الأكثر أهمية. إننا نتجه إلى فترة تتباعد فيها مصالح البلدين ورؤى قادتهما. ستكون هذه سنوات صعبة للاتحاد الأوروبي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد