قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إبراهيم الصياد

بعد مرور ست سنوات على ثورة الثلاثين من حزيران (يونيو) في مصر، نتساءل عن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى فشل جماعة "الإخوان المسلمين" في حكم هذا البلد ومن خلال مسح سريع للدراسات والبحوث والآراء والشهادات التي تناولت هذا الموضوع منذ السقوط الأخير لهم حتى الآن نجد أن هناك اتفاقاً بين كل المقاربات على أن هذه الجماعة لم تكن مؤهلة لتولي السلطة السياسية. وشهد على هذا كتاب صدر عام 2016 للكاتب الأميركي إريك تراجير بعنوان: "السقوط العربي: كيف فازت جماعة الإخوان بحكم مصر وخسرته في 891 يوماً؟" أوضح فيه أن سبب السقوط يرجع إلى أن الفوضى عقيدة قطبية (نسبة إلى سيد قطب) راسخة في فكر "الإخوان"، وبالتالي عندما تولوا زمام حكم دولة مؤسساتية مثل مصر حدث تناقض بين مبادئهم التنظيمية والحفاظ على استقرار دولاب الحكم في دولة عمرها أكثر من سبعة آلاف عام. لا شك أن المهمة كانت ثقيلة والمسؤولية أكبر من قدرات رجل مثل محمد مرسي جاء إلى الحكم مصادفة بديلاً للمهندس خيرت الشاطر بعد أن اصطدم بعثرات قانونية منعته من ترشيح نفسه رئيساً للجمهورية. واستند اختيار الجماعة لمرسي إلى أن طبيعة تكوين شخصيته تجعله لا يفكر يوماً في التمرد أو الانفراد بالقرار.


ولكن يعتبر هذا الاختيار الغريب أحد الأسباب التي أسقطت حكم "الإخوان"، إذ لم يكن لديه خبرة مسبقة بمهام الرجل الأول في الدولة، ما جعله يبدو مهزوزاً وغير قادر على ملء مساحة هذا المنصب الرفيع، خاصة في أيامه الأولى، وفي الوقت نفسه كان محاطاً ببطانة جميعها من مكتب الإرشاد، ما جعل الكتاب والمراقبين يطلقون على حقبة حكم "الإخوان" لمصر فترة "حكم المرشد"، نسبة إلى المرشد العام لجماعة "الإخوان" محمد بديع الذي كان ينظر إلى محمد مرسي على أنه تابع وليس متبوعاً.

والواقع أن هذه البطانة كانت تقوم بدور آخر هو مراقبة مرسي عن قرب ومنعه من اتخاذ أي قرار - يفرضه موقعة - يتعارض مع سياسات الجماعة، ما يعني أنه كانت هناك أزمة ثقة بين مكتب الإرشاد وقدرات مرسي وتعد هذه مشكلة نفسية يواجهها كل من ينتمي تنظيمياً لجماعة "الإخوان" ويمكن تلخيصها في أنهم لا يثقون في بعضهم بعضاً، وفي الوقت نفسه ينظرون جميعهم لغيرهم على أنهم "خونة"، ما جعل حكم "الإخوان" يقوم على الشك في كل من عداهم والحقد والضغينة وعدم الثقة داخل دوائرهم.

وفشلت الجماعة في الترويج والدعاية لأفكارها التي طرحتها لبناء الدولة المصرية وأسمتها "مشروع النهضة"، إذ لم يكن مشروعاً واضحاً. كان مجرد طرح لكلام مرسل لا يقدم حلولاً عملية لمشكلات التنمية، بدليل أن المئة يوم الأولى لحكم محمد مرسي فشلت في الإجابة عن تساؤلات طرحها الشارع المصري عام 2012 بخصوص رغيف الخبز والطاقة والنظافة والأسعار. على المستوى الاقتصادي كادت مصر تفلس خلال العام الذي حكمت فيه "جماعة الإخوان"، إذ زاد العجز وتراجع معدل النمو وانهار الاحتياط الاستراتيجي من العملات الأجنبية وزاد التضخم إلى مستويات ارتفعت معها الأسعار وارتفعت نسبة البطالة، وعانى المصريون أزمات يومية في المحروقات والطاقة بعد توقف الكثير من المصانع عن الإنتاج. ومن هنا اصطدم نظام "الإخوان" بالتيارات السياسية الأخرى التي كانت تمثل المعارضة في ذلك الوقت، وكان الشباب الذي ظل في "ميدان التحرير" في القاهرة هم أكثر التيارات رفضاً لسياسات "الإخوان". وهكذا أصبح الرهان على الشارع المصري، خاصة بعد حل البرلمان الذي سيطرت عليه عناصر الجماعة، وكانت حادثة قصر الاتحادية (مقر الرئيس) البروفة الأولى للثورة القادمة، إذ سقط النقاب عن الوجه الدموي لتيار "الإخوان" الذي استقوى بالإرهاب من جهة وبالتنظيم الدولي لـ"الإخوان" من جهة أخرى. وهذا جعل العالم يوجه انتقادات للسياسة الخارجية المصرية التي فقدت أثناء حكم "الإخوان" حياديتها ونَفَسَها القومي العروبي والإفريقي الذي كان سمة مميزة للدولة حتى قبل قيام ثورة عام 1952.

واصطدم نظام الجماعة مع مؤسسة القضاء في واقعة عزل النائب العام المستشار عبد المجيد محمود واستبداله بآخر تابع لـ"الإخوان"، وزاد الطين بلة عندما تمت محاصرة مبنى المحكمة الدستورية العليا ما يعد مؤشراً على أن ترنح الحكم "الإخواني" وفشله في تحقيق التوازن السياسي والاجتماعي في البلاد.

وتناقض إعلام "الإخوان" دائماً مع فكرة الرأي والرأي الآخر التي التزمها إعلام الدولة منذ قيام ثورة 25 يناير تخطياً لسلبيات نظام مبارك، إذ لم يستطع حكم الجماعة "أخونة" الإعلام المصري الذي التزم المهنية وجعلها سبيلاً لمواجهة الضغوط التي كان يمارسها مكتب الارشاد ومستشارو الإعلام في "قصر الاتحادية" على قيادات الإعلام المصري. فيما عجز وزير الاعلام "الإخواني" صلاح عبد المقصود خلال فترة العام التي حكموا فيها عن فرض توجهاته على السياسة الإعلامية، ولهذا اضطر إلى ترك تلفزيون الدولة يفعل ما يريد، خاصة عندما رفع في ذلك الوقت شعار أنه تلفزيون الشعب وإعلام الخدمة العامة. فيما قال عبد المقصود لشكري أبوعميرة رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون آنذاك: "إعلام الدولة ليس مع الرئيس"، ولجأ إلى قناة "الإخوان" الفضائية التي كانت تسمى "مصر 25" وقناة "الجزيرة مصر مباشر" القطرية واعتبرهما منبرين إعلاميين بديلين. ولوحظ أيضاً أن حرباً صامتة كانت تدور رحاها بين وزير الإعلام صلاح عبد المقصود والقائمين على الإعلام في "قصر الاتحادية" وبعض المقربين من محمد مرسي وانتقدوا أداء عبد المقصود الضعيف وعدم قدرته على السيطرة على قيادات الإذاعة والتلفزيون حتي أنهم قرروا إنشاء إعلام موازي لإعلام "ماسبيرو" تديره عناصر تابعة لهم وساعدهم على ذلك وجود ستوديو في مقر الرئاسة من أيام الرئيس السابق حسني مبارك. ولكن فشل هذا النهج لعدم قدرتهم على تشغيل الامكانات الفنية للأستوديو من ناحية ووقوعهم في كثير من الأخطاء الاعلامية الكارثية ومنها مؤتمر سد النهضة الذي أذيع على الهواء قبيل قيام ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 ولم يكن للتلفزيون الوطني أي دخل في إذاعته.

وأدركت المؤسسة العسكرية خطورة الموقف في البلاد وتزامن هذا مع غليان متصاعد في الشارع المصري بشكل تجاوز ما حدث في 2011 وتمرد الشعب على جماعة "الإخوان" وأسقط شرعيتهم الهشة والمشكوك فيها وانضمت القوات المسلحة للجماهير التي احتشدت في ربوع مصر. وفي الثالث من تموز (يوليو) عام 2013 قرر الشعب والجيش إسقاط حكم تلك الجماعة إلى الأبد.