قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بن بخيت

على الركن الشرقي الشمالي من مسجد الإمام تركي بن عبدالله (الجامع) في الرياض، وامتدادا لحراج ابن قاسم الشهير، يجلس مجموعة من الشباب الصغار يتمازحون ويتضاحكون ويسوقون للثقافة. بعد كل صلاة جمعة، ستجد هؤلاء الشباب يفرشون محارم أو كراتين أو أوراق جرائد يعرضون عليها بضاعتهم من الكتب والمجلات المستعملة، ولا تخلو هذه المكتبة البسيطة من كتب فكرية أو أخرى مهربة. مصادر هذه المعرفة ثلاث دول عربية: مصر ولبنان والكويت. القصص والروايات ومجلات الأطفال من مصر، وكتب الحداثة والفلسفات الأوروبية المترجمة من لبنان، والمعرفة والمجلات الثقافية المتميزة من الكويت.

نشأت ظواهر ثقافية متعددة في ذلك الحراج، من أشهرها جمع واقتناء مجلة العربي الكويتية. كانت لبنان تصدر مجلات فنية وأدبية، مثل: مجلة الآداب، ومجلة مواقف، أو مجلات فنية، كالكواكب والشبكة. لا يمكن جمع النوعين في بيت واحد. المجلات الثقافية الصادرة في لبنان لا تحمل في طياتها ثقافة لصغار السن، والمجلات الفنية لا تليق بكبار السن أو المحافظين. استطاعت مجلة العربي أن تكون مجلة الجميع: صغارا وكبارا، محافظين ومنفتحين.

لم تكن الكويت مصدرا للمعرفة بل مصدرا للإلهام أيضا. سعيها إلى التقدم على الجبهات كلها جعلها منافسا شرسا للدول العربية التي سبقتها في الاستقلال والاتصال بالعالم الحديث. تدريجيا وبخطى سريعة استطاعت الكويت أن تكون دولة عربية كبرى، تجاوزت صغر حجمها الجغرافي وعدد سكانها الصغير. لم نكن نعلم حينها أن حجم الدول لا قيمة له في مسألة التقدم. بلجيكا أكثر تقدما (صناعيا وثقافيا وحضاريا) من نيجيريا، تعلمنا فأصبحنا نشاهد الكويت بالعيون التي تستحقها. صار التلفزيون في الثمانينيات يعرض علينا المسرحيات المصرية لا تنافسها سوى المسرحيات الكويتية، يعرض المسلسلات المصرية لا تنافسها سوى المسلسلات الكويتية. أما في السبعينيات فكان حمد أبو حمد وجاسم يعقوب وفتحي كميل والعنبري وآخرون رموزا رياضية، نافست في مخيلتنا مشاهير كأس العالم كبيليه وزيكو وريفلينو.

كنا نحب الكويت ونحسد شبابها. في إحدى السهرات في أحد المسارح في مدينة لندن، سمعنا فجأة الصفقة الكويتية على موسيقى غربية، التفتنا إلى خشبة المسرح، فشاهدنا عددا من الشباب يلبسون الدشداشة، ويرقصون مع الفرقة الإنجليزية رقصة الكويت الشعبية. في كل بلد تسافر إليه سيكون للكويتي حضور أكبر من حجم الكويت السكاني، هكذا كانت الكويت في السبعينيات والثمانينيات.

ليس غريبا أن تكون الكويت أكثر الدول تأثرا من انهيار النظام العربي القديم، الذي قوضه صدام حسين بجريمته الشنعاء. لم ينطفئ الحماس الكويتي وحده بعد التسعينيات. كثير من الدول العربية دخلت في مراجعات وتراجعات لم تنتهِ بعد. وليس غريبا أن تختفي الرياضة الكويتية، وتتراجع المنتجات الثقافية والمسرحية، فالمد الأصولي لم يستثن أحدا في العالم الإسلامي، ولكن ستبقى الكويت وفية للتقاليد التي أرساها روادها العظام وستعود.