قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

  فـــؤاد مطـــر

 

في الوقت الذي تتسبب حرائق غابات الأمازون، الموصوفة «رئة الأرض»، التي تتواصل لهيباً يقضي على الأشجار الخضراء، والتي هي بمثابة الشرايين في قلب المخلوقات، بحالة من الهلع، وتتحرك الدول الصناعية الكبرى، وكذلك الأمم المتحدة، بهدف محاصرة هذه الحرائق... في الوقت نفسه يحدث في لبنان، وبالذات في العاصمة بيروت، الموصوفة «قلْب المشرق»، أن بعض النشطاء، من رجال وسيدات، اصطحبوا أطفالهم؛ توجهوا ومعهم شتلات من الصنوبر والأرز والصفصاف والياسمين وغيرها لغرسها في أرض يعدونها ملكاً لكل بيروتي، بل ولكل لبناني، ما دامت العاصمة باتت الملاذ لعشرات الألوف الذين هجروا مناطقهم وحدائق منازلهم في بلدات تلك المناطق من أجْل العمل في العاصمة، وبذلك فإنها في الطريق إلى أن تصبح مثل بعض بلدات هندية أو كشميرية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. ويكفي منظر الجدار السكني العشوائي الحافل بمئات العائلات من هؤلاء الذين هجروا مناطقهم، الذي يطوق مطار بيروت، كدليل على ما نشير إليه. كما يكفي منظر الجدار الشرقي الحافل بمئات العائلات النازحة هو الآخر إلى جانب سكانه الأصليين من الأرمن غير ميسوري الحال لتعزيز الدليل على حال العاصمة التي باتت من دون حدائق، وهي التي كانت قبْل نصف قرن على خط الاخضرار حافلة بحدائق للأزهار والخضراوات والعشبيات، وبضعة بساتين صغيرة لكن أشجار الليمون فيها معطاءة. ثم اقتحم الإسمنت هذا الاخضرار، وباتت العاصمة مجردة من ثوبها الجميل، باستثناء حدائق مختصرة ومساحة رحبة من الأرض المزروعة أشجار صنوبر عُرفت «حرج بيروت»، كانت في استمرار مقصد البيارتة وقاصدي العاصمة في مناسبات الأعياد.

بدل أن تعالج الدولة، وبالذات وزارة الداخلية والبلديات، مشكلة الكثرة الهائلة للسيارات في العاصمة، كأن تُخلي الشوارع من سيارات لا تعمل، وكذلك من سيارات برسم البيع تابعة لمعارض مملوكة لتجار سيارات مستعملة، وتضع نظاماً لحركة الأوتوبيسات ذات السعة المتوسطة، وبدل أن تنشط مع وزارات مختصة لإعادة شبكة النقل «التراموي»، إنما في ضوء المتطور من هذه الوسيلة، التي هي الحل الذي لا حل أفضل منه... إن الوزارة بدل ذلك، ومن خلال بلدية العاصمة، تحوِّل ما من الضروري أن يكون حديقة إلى مرأب للسيارات، وكأنما لا يكفي الناس هذه السموم التي تنفثها العوادم. ولمواجهة هذا الفعل البلدي غير المناسب كان حراك النشطاء واصطحاب الأبناء والبنات صغار السن لكي يشاركوا في غرس الشتلات، وبذلك تنزرع في تربية جيل الصغار ثقافة الاخضرار. وبدل التقدير لهذا العمل جاء الفعل غير المحمود، وهو صد النشطاء عن استكمال ما بدأوه.
قبْل الفعل المشار إليه كانت الجرافات بدأت اجتياح شجيرات وشتلات ورود في حديقة سميت «حديقة الشيخ حسن خالد»، مفتي الجمهورية الذي لم يتحمل زمنُ الوصاية نصحَه فأردوه شهيداً بتفجير من نوع ازدهر في ذلك الزمن الذي ما زال له في لبنان المتنقل، وبالذات عاصمته بيروت «قلْب المشرق» وحاضنة النازحين واللاجئين من كل طوائف المشرق، بمَن فيهم الذين كانوا حكاماً وباتوا لاجئين سياسيين، من هلع إلى هلع إلى هوالع، رعاياه من حزبيين وسياسيين. والغرض من الاجتياح المشار إليه هو جرْف تربة الحديقة والحفر بضعة أمتار تكفي إنشاء مرأب للسيارات، على أن تكون الحديقة بعد الترتيب والغرس من جديد على سطح المرأب.

من حيث المكسب التجاري، ستجني البلدية من هذا الابتكار أموالاً، لكنها في المقابل ستترك في النفس أثراً غير مستحَب، فضلاً عن أن عدد السيارات إلى ازدياد. فما الذي ستفعله بعد ذلك؟ هل تنبش أرض المقابر وتنشئ تحتها مرأباً وفوق المرأب أضرحة.
وقبْل التمثيل غير المستحَب بحديقة شيخ جليل دفع حياته ثمناً، كان هنالك اتجاه لاحتضان السيارات التي باتت مثل فيضان، وذلك بتحويل ما تحت أرض ملاعب رياضية إلى مرائب سيارات، ويتم ذلك دون الأخذ في الاعتبار أنه إذا كان لا بد من الاستفادة مما تحت الأرض، فمن أجْل تأهيلها لكي تكون ملاذاً للسكان، حال حدوث حرب يتزايد التحذير والتهويل في شأنها من جانب «لبنان حزب الله»، خصوصاً في ضوء تصريحات ثورية إيرانية بالصوت الأعلى من جهة، وكذلك في ضوء ما يدور في كواليس لبنان السوري - الإيراني الهوى من أن علاج تفرُّد «حزب الله» بالعمل المقاوم سيكون من خلال صيغة «المقاومة اللبنانية الإسلاحية»، أي (إسلامية - مسيحية)، بما معناه أنها تضم مسلمين شيعة وسنة ودروزاً وعلويين، ومسيحيين موارنة وروماً وكاثوليكاً وبروتستانتاً وأرمناً. وفي هذه الحال يقتصر دور «حزب الله» على العمل السياسي، ولا يتكرر في موقع من لبنان، وبالذات في قلْب العاصمة، ما حدث من ضربات إسرائيلية «الحشد الشعبي» وغيره من التنظيمات الإيرانية الابتكار في سوريا والعراق وغيرهما، وهي ضربات مسكوت عنها إيرانياً، ولا تَعامُل معها من جانب المرجع الأعلى وكبير الحرس وفق مبدأ «العين بالعين والسن بالسن»، فيما يدفع المضروبون الثمن، وتتساقط تبعاً لذلك العقوبات الأميركية وغيرها في حق «حزب الله»، وبحيث لا يعود «الإرهاب» صفة تطلقها أميركا ودول أُخرى عليه. ومن دلائل صيغة «المقاومة اللبنانية الإسلاحية»، أي (تكراراً) مفردة تجمع كلمة الإسلام والمسيحية، أن لقطات مصورة تم تداولها بعد كلام رئيس الجمهورية ميشال عون، الحليف «حزب الله»

والمتفهم للحالة الإيرانية الثورية، وتمثِّل أفراداً بأعمار مختلفة ينتمون إلى «التيار الوطني الحر»، الذي يتزعمه وزير الخارجية جبران باسيل يخضعون لدورة تدريب في مكان ما على الحدود مع فلسطين.
خلاصة القول إنه كما هنالك هلع دولي حتى من حرائق «الأمازون» الموصوفة «رئة الأرض» التي ربما تكون تنبيهاً من رب العالمين لعباده، وبالذات الهوالع منهم، بأن يخافوا الله فيما يفعلون، وبالذات بالنسبة إلى الموضوع الأساس الذي طال أمر حسمه موضوع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، فإن وطناً صغيراً مثل لبنان يكابد، وبالذات عاصمته بيروت الموصوفة «قلْب المشرق»، من الهلع ما يجعل أنفاس أبنائه تكاد تختنق من غرائب العمل السياسي من جانب الذين في القمة نزولاً حتى الذين على عاتقهم العمل البلدي، وأنه لا علاج لذلك سوى باقتباس انتفاضة بالمواصفات السودانية. عسى ولعل لا يتأخر حدوثها.