قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالرحمن الشبيلي

يمثّل هذا الزعيم السياسي والأديب العربي - المولود في قرية الشويفات بلبنان عام 1869 والمتوفّى عام 1946 - أحد أبرز الوجوه العروبيّة اللّامعة التي صار لها تأثير كبير في حركة اليقظة والإصلاح في التاريخ الحديث، إلّا أنه رغم مكانته المرموقة وشأوه الأدبي والاجتماعي الرفيع، وصلاته الوثيقة مع أوساط سياسيّة وثقافية كثيرة في عصره، فإن ذكره في العقود الأخيرة يكاد يخفت في العالم العربي، ربّما باستثناء الساحتين اللبنانية والمصرية، من حيث التذكير بمواقفه القومية الفاعلة، ومن حيث إبراز إنتاجه البياني النثري والشعري، ومؤلّفاته التحليلية عن أحوال العرب والمسلمين وبلاد الأندلس.
وقد تأثر بعدد كبير من أعلام عصره، وتتلمذ أو اتصل ببعضهم في مراحل متعددة من عمره، كعبد الله البستاني والإمام محمد عبده ومحمود سامي البارودي وغيرهم من أعلام الفكر والأدب والشعر في عصره، فضلاً عن تأليفه عن رموز كبار كالشيخ محمد رشيد رضا أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في مطلع القرن الماضي، وكأحمد شوقي أعظم شعراء العربية في العصر الحديث.

واشتهر في زمنه باعتدال الرأي، وبنبذ الطائفية، ومع أن هذا المقال يحترم جميع الطوائف، ولا يحتفي أو يأبه بالانتماءات العقدية للأعلام، إِلَّا أن كتابات عدّة تشير، كما شهدت بذلك زوجته الشركسيّة سليمى، وكما أورد عنه د. أحمد الشرباصي في كتابه «شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام ص 20 (دار الجيل)»، إلى أنه يُعَدّ من الناحية الشكلية درزيّاً، في حين كان يتعبَّد على مذهب أهل السنة، ويصوم ويصلّي ويزكّي ويحج، كما يفعل جمهور المسلمين، وكان دفاعه عن الدروز سياسة، ويقصد تجميع الكلمة وعدم التفرقة بين الأمّة، (اهـ).
عُني بقضية الوحدة العربيّة عناية خاصة، وأوقف عليها حياته، ودعا في مقالاته إلى قيام وحدة كبرى كان يرى فيها الخلاص من حال ضعف سادت الأقطار العربية، وجعلتهم فريسة المستعمر الأجنبي، وتعرّض بسبب مواقفه الوطنية للاضطهاد من المستعمر، ولحملات تشويه شرسة غمزت من قناة «عثمانيّته» المبكّرة التي كان لجأ إليها محسناً الظن كعدد غيره بها في مقابل سوء ظنّهم بوعود الحلفاء الأجانب للعرب.
وصف كتابه «الارتسامات اللّطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف»، الذي صدرت طبعته الأولى عن مطبعة «المنار» بمصر عام 1931 بإشراف الشيخ محمد رشيد رضا، رحلته لأداء فريضة الحج (1929)، وقال في مقدمته: «مضت عليَّ حججٌ كثيرةٌ وأنا أهمُّ بأداء فريضة الحج، والعوائق تعوق،

والموانع من حول إلى حول تحول، إلى أن يسّر الله بلطفه وحسن توفيقه لي أداء هذا الفرض». وصدر الكتاب ثانية في طبعة أنيقة عام 2004 حرّرها وقدّم لها أيمن حجازي، وقد وُجدت من أصله نسخة في المكتبة الخاصة بالملك عبد العزيز.
والكتاب، وإن لم يضمّ الكثير عن الأوضاع السياسيّة السائدة في الحجاز في حينه، إلا أنه من الكتب التي تناولت الأحوال الاجتماعية عبر الجزيرة العربية من شمالها إلى جنوبها، من مفكر بمثل مكانته وموضوعيّته.
وقد صوّر الكتاب كيف اختار الله موقع بيته المقدّس بوادٍ غير ذي زرع في مكة المكرمة؛ حيث ترزق من كل الثمرات من مختلف الاتّجاهات والأنحاء، كما بهرته القدرات اللّغويّة للمطوّفين والأدلّاء في المدينتين المقدّستين عند تعاملهم مع الحجاج والمعتمرين والزوّار الوافدين على بلاد الحرمين باختلاف جنسيّاتهم ولغاتهم، وقد قام في أثر رحلة الحج هذه، بأخرى إلى إسبانيا (1930) دوّن وقائعها في كتاب سماه «الحُلل السندسيّة في الآثار والأخبار الأندلسيّة»، وكان الأمير أرسلان يجيد إلى جانب لغته الأم، كلاً من الإنجليزية والتركية والفرنسية.
أما عن اتّصاله بالسعودية (غاية هذا المقال) فكان عند قدومه للحج، التقى الملك عبد العزيز بُعيد انضمام الحجاز للحكم السعودي، وكانت لهما اتصالات لاحقة؛ خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات مع أوروبا والشركات الغربية المشاركة في تطوير البلاد، ومما قاله عن الملك عبد العزيز في إهدائه الكتاب «أتوجه إلى الملك الهُمام، الذي هو غُرة في جبين الأيّام، تذكاراً لجميل الأمن الذي مدّ على هذه البلدان سرادقه، وعرفاناً لقدر العدل الذي وطّد فيه دعائمه، وناط بالإجراء وثائقه، وابتهاجاً بالملك العربي الصميم الذي صان للعروبة حقها وللإسلام حقائقه، أدام الله تأييده، وأطلع في بروج الإقبال سعوده، وخلّد شمسه الشارقة، ووفّقه للاتفاق مع سائر العرب وأمرائها، والعمل مع رجالاتها العاملين لرقيّها وإعلائها، أدام الله توفيقهم لحفظ تراث الأمة العربية، وإبلاغها المقام الذي تسمو إليه نفوس العرب الأبيّة، وحياطتها بوحدة الكلمة، من سنوات الغدر وغوائل المكر التي لا تفارق حركات الدول الأجنبية، وجدت فيه الملك

الأشمّ الأصيل الذي تلوح سِيماءُ البطولة على وجهه، والعاهل الصنديد الأنجد الذي كأنما قد ثوّب (فُصِل) استقلالُ العرب الحقيقي على قدّه، فحمدت الله على أن عيني رأت فوق ما أذني سمعت، وتفاءلت خيراً بمستقبل هذه الأمة» (اهـ).
شارك شكيب أرسلان ضمن وفد أرسله المؤتمر الإسلامي للتوسّط في إنهاء التوتّر السعودي اليمني الأول (1934)، ما أعطى له المجال لتكرار الزيارة للبلاد السعودية، وقد أشار المفكّر والمستشرق النمساوي محمد أسد - الذي عاصر رحلة أرسلان للحج، وتقاربا في وصف الحالة الاجتماعيّة والحضريّة والاقتصاديّة والجيولوجيّة لإقليم الحجاز بخاصّة - إلى أخبار أرسلان ومواقفه وآرائه ضمن كتاب محمد أسد المعروف «الطريق إلى مكة».
بالإضافة إلى كتابَيه «الحلل السندسيّة» و«الارتسامات اللّطاف»، رُصد له نحو 25 مؤلّفاً منشوراً، ومثلها مخطوطاً، ويقع معظم مؤلّفاته في تاريخ الأدب والنهضة العربيّة وتاريخ الأندلس، كما أن له مذكّرات، وديوان شعر، وكتاباً عن سيرته الذاتية لم أطّلع عليه بعدُ، وصدرت كتب عن حياته وشعره، منها كتاب د. أحمد الشرباصي السابق ذكره، وكتاب «الأمير شكيب أرسلان حياته وآثاره» لسامي الدهان، عن «دار المعارف» القاهرة 1960.

* أحد مقالين كتبهما الراحل قبل وفاته وسننشر المقال الثاني في اليوم الوطني السعودي يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر.