علي العميم

يقول داريوش شايغان في كتابه (النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا)، المترجم إلى اللغة العربية من اللغة الفرنسية: «قام القصيمي (المصري) بهجوم منظم على الموروثات الثقافية للمسلمين الذين بسبب خضوعهم غير المشروط لله، يرفضون أن يروا هيمنة قوانين الطبيعة والسببية العلمية، لكنهم مع وعيهم التام لنفوذ الغرب، نجدهم بين ثقافتين، ونميزهم بكونهم نظروا إلى مجابهتهم بعيون جديدة، في المقابل يعتبر منظرو الثورة (متفرنجين) أي أن الجذر المهيمن (بعض حداثة ملتوية) جرى استبطانه، بطريقة انحرافية في جهازهم الإدراكي، لكن أي حداثة يقصدون؟ ليست حداثة المرحلة الانتقادية التي تفكر، تسأل، بل آخر بقايا حثالات نسخة ماركسية تقدم تفسيرات تبسيطية للأمور على شكل باقات معارف حاصرة. ربما يمكن القول إن النظرة الجديدة حديثة، لكنها نظرة ملتوية - مبتورة، بطريقة ما، لأنها تظل منقطعة عن حفريات المعرفة التي سبقتها».
يقدم أحمد الواصل هذا النص قبل أن يقتبسه بالقول: «ويوازي الموقف النقدي عند طرابيشي الموقف الشايغاني المنفصم بوصفه إيرانياً، يعاني من تقاليد فارسية حضارية منهارة، وإسلام فارسي الوجه واللسان، انتهى إلى ثورة دينية بحسب عنوان أحد كتبه، ثم عانى صدمة الحداثة الغربية ومفاهيم العقلانية والتأويلية، وهو يماثل الخطاب الفكري الملفق عند مفكري اليسار الإسلامي: علي شريعتي وعبد الكريم سروش ومحمد شبستري».
وقال – وهو يقتبسه – «ويقول شايغان معلقاً على (هذي هي الأغلال – 1946) – لاحظوا بأن المفكر الإيراني الفرنكفوني لم يتح له إلا ذلك الكتاب – بأن القصيمي قام بهجوم منظم على الموروثات الثقافية للمسلمين... إلخ».
وعلق بعد أن أنهى الإتيان بنص داريوش شايغان بالقول: «ولعل شايغان يمثل تلك الحثالات الماركسية في قراءته للفكر الذي لم تمكنه باريس إلا من جمع حثالاتها مع حثالاته!».
إن ما قاله أحمد الواصل عن داريوش شايغان ليس تفسيراً ولا تحليلاً ولا تأملاً ولا نقداً، وإنما سلسلة متصلة من الشتائم.
وسبب هذه الشتائم ليس خصومة سياسية أو فكرية مع أطروحة داريوش شايغان في كتابه المذكور اسمه أعلاه وفي كتابه (ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة) الذي أومأ أحمد إليه، وليس سببه نزعة قومية مضادة (العرب في مقابل الإيرانيين)، وإنما السبب – كما قلت في المقال السابق عن حديثه عن نقد حسين مروة ورئيف خوري وجورج طرابيشي لعبد الله القصيمي – إنه لا يتحمل أي نقد له حتى لو كان هذا النقد – بخلاف نقد المنجد – وجيهاً وموضوعياً، ويضيق به جداً، لغلوه في حبه وإعجابه بالقصيمي إلى حد التوثين.

أقول بهذا التفسير رغم أن شتائمه تخللتها سخيمة قومية عربية والتي ظهرت في زجه «إيرانية» داريوش شايغان و«التقاليد الفارسية الحضارية المنهارة» و«الإسلام الفارسي الوجه واللسان» الذي انتهى إلى «ثورة دينية» بما قاله شايغان عن القصيمي في سياق مقارنته بين مرحلتين عند المسلمين في العصر الحديث: مرحلة النهضة، ومرحلة الثورة.

هذه السخيمة القومية العربية التي أظهرها أحمد الواصل تجاه إيران والفرس كان محركها المباشر والأساسي أنه اعتقد – خطأ – أن داريوش شايغان يحقر من شأن القصيمي الثقافي والفكري، فبسط لسانه – حمية للقصيمي – بذم قوميته وذم إسلام هذه القومية وذم تشربه للحداثة الغربية وهضم مفاهيم العقلانية والتأويلية في دراسته في فرنسا وتدريسه بها.
لنراجع شتائمه التي جمعت إلى سوء اللفظ، التخليط في الكلام وفي التصنيف الفكري. وهذا ما يجعلها ثرثرة شتائمية. ونعيد صياغتها بأسلوب شارح وبطريقة متسلسلة. في شتائمه داريوش شايغان منفصم. أي مضطرب في شخصيته الثقافية والحضارية والقومية نظراً إلى كونه إيرانياً! وهذا يعني أن انفصام شخصيته ليس حالة فردية خاصة، وإنما هو جزء من انفصام جماعي عام يشترك الإيرانيون فيه جميعاً، فالإيرانيون مصابون بمرض الانفصام، لأنهم إيرانيون!
وفي شتائمه عانى داريوش شايغان معانتين:

المعاناة الأولى، عانى من تقاليد فارسية حضارية منهارة، وعانى من إسلام فارسي الوجه واللسان، انتهى إلى الثورة الخمينية الدينية!
والمعاناة الثانية، عانى على نحو عام من صدمة الحداثة الغربية، وعانى على نحو خاص من صدمة مفاهيم العقلانية والتأويلية!
وفي شتائمه أن خطاب داريوش – وإنْ كان هو يعتقد بغير ذلك – يماثل خطاب شريعتي وشروس وشبستري، اليساري، الإسلامي الملفق!
وفي خاتمة شتائمه مثّل داريوش شايغان بقايا حثالات نسخة ماركسية في قراءته للفكر، الفكر الذي لم تمكنه باريس إلا من جمع حثالاتها في الفكر مع حثالاته هو التي تقدم ذكرها في الشتائم السابقة!
صحيح أن داريوش شايغان إيراني لكنه من الناحية القومية ليس بفارسي. فهو نصف أذري ونصف جورجي. أي يجمع ما بين قوميتين: قومية آذرية – وهي قومية أقلوية في إيران – وقومية جورجية. أبوه مسلم آذري وأمه مسيحية جورجية عائلتها فرّت هرباً من الثورة البلشفية التي اندلعت عام 1917. وكان مدرسه للموسيقى أرمنياً وطبيب العائلة زرادشتياً والسائق مسيحياً آشورياً. هذه المعلومات نقلتها من موسوعة ويكيبيديا. وفي التعريف به يقول نادر كاظم في مقاله (داريوش شايغان... هوية بأربعين وجهاً)، المنشور في مجلة (الفيصل): «ولد داريوش شايغان في تبريز (شمال غربي إيران) في وسط ثقافي متنوع دينياً وإثنياً ولغوياً». وينقل عن مصدر آخر قوله: «فأسرته كانت تستخدم اللغة الروسية، والفارسية، والقوقازية والجورجية، كما كانت تعتنق أشكالاً مختلفة من الاعتقادات: الإسلام والمسيحية والزرادشتية».
فهو متعدد الهويات. وهو – كما يقول نادر كاظم – ما جعل شخصيته متعددة كما لو كانت مسكونة بأربعين هوية، وهو هنا يشير إلى عنوان كتابه الأخير قبل وفاته (هوية بأربعين وجهاً).
ولكي لا أفهم على نحو خاطئ أبادر فأوضح أن ردي هذا لا يعني أنه لو كان من أرومة فارسية سيعاني – كما ذهب أحمد الواصل في قوله المزجي - من «التقاليد الفارسية الحضارية المنهارة» وسيعاني من «إسلام فارسي الوجه واللسان»، وإنما ذكرت تلك المعلومات عنه التي نقلتها للتبسط في الرد وتبسيطه.

إن ما قاله أحمد عن داريوش شايغان في هذا الصدد ليس له أساس. فداريوش شايغان في كتابه (النفس المبتورة) وهو يتحدث عن يأس الحنين عند تكنوقراطي إيران، يقول - ناقداً - : «أما الأكثر قومية بينهم، فإنهم يضعون بكل رشاقة قومية إيرانية إنقاذية مقابل إسلام متأخر، بوصفه دين البدو الأقدمين في الجزيرة العربية، العاجز عن معاودة رفع حضارة قديمة إلى المستوى المتميز الذي كان على الدوام مستواها في التاريخ. أولئك هم المولهون بالماضي، فحلمهم يتغذى من إمبراطوريات فارس الكبرى قبل الغزو العربي الذي يعتبر في نظرهم البداية المشؤومة لكل المصائب. وإذا كان المتطرفون بينهم يحتقرون مواضي المجتمع البالية وينظرون إليها نظرة ازدراء شديد، فإن المولهين بالماضي يتأوهون باستمرار فوق أطلال إمبراطوريات الماضي. زد على ذلك أن هذا التأسف على الماضي وهذه العبادة الصنمية لثقافة يعتزون بها كثيراً، دون أن يعرفوا كيف يربطونها بالوضع الراهن، ليس وقفاً على هذه الطبقة، بل هما سمة مميزة لكثير من الإيرانيين... الفارسي ذو فكرة عن نفسه متعجرفة جداً. فإذا كان الهندي يتكلم عن وطنه بحنان بوصفه الهند الأم (Mather india)، ويتكلم الياباني باعتزاز عن أرض كاميس (kamis)، فإن الفارسي يعتبر نفسه الوريث الشرعي لقورش وداريوش، وبالتالي يعتبر نفسه متفوقاً على كل جيرانه. يشهد على ذلك صلفه التاريخي وعبادته لكبار السلاطين والسلالات المجيدة، والصورة المبالغ بها التي يحملها عن شعب عظيم مزروع منذ الأزل... إنه يزدري غزاته، لكنه يبذل قصاراه ليتساوى معهم. يحتقر العربي ويكرهه، ويكرس كل عبقريته لإغناء فكره وثقافته. وفوق ذلك، العربي يعلمه الدرس ويعطيه العبرة، وباسم الإسلام الفاتح المحتقر جداً لدى الفارسي، نراه يسعى إلى تحقيق قوميته بالمقلوب».

وفي الفصل الأخير من الكتاب (احترابيو الله) قدم إطلالة نقدية لاذعة وثرية لما سماه أحمد الواصل بـ«إسلامي فارسي الوجه واللسان».
أما ما قاله أحمد بلغة شامته من أن «التقاليد الفارسية الحضارية المنهارة» وأن «الإسلام الفارسي الوجه واللسان» انتهى إلى «ثورة دينية»، فإن داريوش شايغان لا يحصر أسبابها بأسباب داخلية تتعلق بإيران، بل يرى أن لها سبباً عاماً، وهي أنها نتيجة لمرحلة الثورة في العالم الإسلامي التي يرى مع محمد أركون أنها بدأت من خمسينات القرن الماضي وأنها «ما زالت متواصلة وربما بلغت ذروتها في ثورة إيران الإسلامية».
ويرى شايغان أن «الإسلام الذي نجابهه اليوم هو إسلام موسوم، فكروياً، بعصر الثورات. إنه إسلام يرفض مساواة المنظومتين (الحديثة والتقليدية) اللتين كان يقوم عليهما دستور البلاد القديم، وينادي بتفوق الشريعة المحض على أي منظومة أخرى حقوقياً واجتماعياً. وهو بذلك مختلف جداً عن الإسلام النقدي نسبياً في مرحلة النهضة». ويرى أن «ما تغلغل في رؤية المفكرين الإسلاميين حتى أكثرهم تشدداً، هو حداثة تجذرت من خلال الصراعات الثورية، وانحطت على أيدي الأنظمة الكلّية، وتشوهت، بوجه خاص، في مدارنا الثقافي، من جراء البنية التحتية للنسخة الماركسية، المحلقة في الجو، كأنها فكروية حاضرة في كل مكان».

لقد صور أحمد الواصل داريوش شايغان اعتباطاً بأنه قروي خام وشبه أمي ثقافياً، ذهب فجأة للدراسة في باريس، فبهرته أنوار الحداثة الغربية إلى حد الصدمة. ولقد مر بنا – بحسب موسوعة ويكيبيديا - أنه ابن عائلة إيرانية حداثية أو متفرنجة. وهذه الموسوعة زودتنا بمعلومتين أخريين عنه، وهما: إنه في طفولته درس في مدرسة تبشيرية فرنسية، وإنه حين ناهز سن العشرين أُرسل لدراسة الطب في سويسرا لكنه هناك غير مجرى دراسته.

إن مما لاحظته أن ما يكون موضوع نقد عند داريوش، يكون موضوع اتهام له عند أحمد، لمجرد النيل الاعتباطي منه، ويتوهم أنه يقول نقداً نافذاً.
ومعاناة داريوش المتخيلة مع «التقاليد الفارسية الحضارية المنهارة» و«الإسلام الفارسي الوجه واللسان» أول مثال على ذلك. وللحديث بقية.