علي بن سالم الكعبي

لست ممن يعتقدون بأن التاريخ يعيد نفسه، لكنني على يقين بأن الكثيرين لا يستوعبون دروسه، ولا يستلهمون من عبره، فيكررون الأخطاء ذاتها، وفي كل مرة يلدغون من الجُحر ذاته مرات ومرات، فما وصلت إليه الأمور في ليبيا بسبب السياسة التركية الخارجية أثار، ومستمر في إثارة، حفيظة دول كثيرة، وعلى رأسها دول الجوار الأوروبية.

عندما قررت تركيا إرسال عدد من قواتها إلى ليبيا، روّج الرئيس التركي لمقولة (الطريق المؤدي للسلام في ليبيا يمر عبر تركيا)، معيداً إلى ذاكرتنا ما كان يردده زعيم «حزب الله» بأن (الطريق إلى القدس يمر عبر سوريا)، وكلاهما في ذلك لا يقولان الحق ولا قيد أنملة. فلا سلام ليبيا يمر أو يجب أن يمر عبر تركيا، ولا الأراضي السورية أقرب إلى لبنان من القدس، وإنْ مثل هكذا «أقوال» تعري سياساتهما تماماً، وتفضح الكثير من المخططات التي ينتويان - وغيرهما - اتباعها لتفكيك المنطقة العربية واستلامها مفتتة منهكة، أو تسليمها لدول أخرى بحال يرثى له. وتأكيداً على ذلك، فقد وقع الرئيس التركي اتفاقيات تدعم حكومة السراج، وتلك الاتفاقيات -من دون أدنى شك- تسهّل لتركيا التحكّم بالأراضي الليبية وكذلك بثرواتها.
في الـ12 من شهر يناير الماضي، دخلت الهدنة بين طرفي النزاع في ليبيا حيز التنفيذ. وبعد أيام- أي في 19 يناير الماضي- عُقدت قمة برلين بمشاركة 12 دولة على رأسها الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، و5 منظمات دولية وإقليمية، وطرفي النزاع في ليبيا، لوضع أسس إنهاء الحرب وحالة عدم الاستقرار الموجودة في ليبيا.

جميع الدول التي شاركت في القمة أظهرت اهتماماً بالغاً وجدية كبيرة في التعامل مع الملف الليبي، ومثلها كبريات الصحف الأوروبية التي كانت بانتظار ما ستؤول إليه الأمور. فكتبت صحيفة «دي تليغراف» الهولندية إن (ألمانيا لعبت دوراً محورياً في مفاوضات الهدنة التي شارك فيها كل اللاعبين العالميين المهمين). ولأن الهدنة غير مضمونة النتائج حتى بوجود ضامنين لتنفيذها، فقد كتبت صحيفة «دي فيلت» الألمانية: (علينا الانتظار لرؤية ما إذا كانت قيمة الاتفاق تساوي أكثر من الحبر الذي كُتب به).
منذ قمة برلين وطرفا الصراع – دولياً - في كفتين متوازيتين، ولعل ذلك زاد الأمر وضوحاً وتفصيلاً بالحديث عن المستقبل بوجود جيش ليبي موحد، وأجهزة أمنية موحدة يمكنها بسط الأمن والأمان على امتداد الأراضي الليبية. فمن نافلة القول بأنه من الضروري إيقاف الحرب، والتي - إذا ما بقيت مشتعلة – ستأكل ما بقي من أخضر ويابس ليبيا دولة وشعباً.

غادر الرئيس التركي قمة برلين بخيبة أمل. فالمجتمع الدولي كان صارماً وحازماً في مواجهته، وللمرة الأولى كان مبعوث الأمم المتحدة لليبيا غسان سلامة أكثر حدة في كلامه عندما صرح: (الآن لدي ما أحاسب أردوغان عليه)، مشيراً إلى أن الرئيس التركي تعهد في البند الخامس من بيان القمة بعدم إرسال قوات أو مرتزقة إلى ليبيا وبعدم التدخل في شؤون البلاد. في حين أدلى وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بتصريح لوكالة «سبوتنيك» الروسية بأن بلاده التزمت بعدم إرسال المزيد من المستشارين العسكريين أو قوات إضافية أو مرتزقة من أي دول مجاورة إلى ليبيا في ظل احترام اتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار!
إن التحرك الدولي هذا، شجع الأطراف الإقليمية الأخرى للسعي الجاد من أجل المشاركة بإيجاد حل للواقع الخطير الذي وصلت إليه ليبيا، وللعمل بجدية نحو طي صفحة الصراع. وعليه احتضنت الجزائر يوم 23 يناير الماضي اجتماع دول الجوار الليبي، والذي ضم وزراء خارجية كل من تونس ومصر وتشاد ومالي ودبلوماسيين من السودان والنيجر. وحضر وزير الخارجية الألماني «هايكو ماس» الاجتماع لإطلاع المشاركين على نتائج القمة التي عقدت في برلين. وقد خلص المجتمعون إلى الاتفاق على 5 مبادئ أساسية تدعم مخرجات الاجتماع، وأعربوا عن أملهم في أن (يهتدي الأشقاء الليبيون إلى تسوية سلمية لأزمة بلادهم، بعيداً عن أي حلول عسكرية أو تدخلات أجنبية بما فيها المرتزقة والميليشيات، تمكن من تنظيم انتخابات شفافة تحقق تطلعات الشعب الليبي وتحفظ استقلال ليبيا ووحدتها وسيادتها على كامل أراضيها).

(لا حل للأزمة الليبية إلا بالسياسة). هذا ما صرح به المجتمعون في الجزائر التي أعربت عن استعدادها لاستضافة لقاءات بين مختلف الأطراف الليبية، من أجل دعم وحدة الأراضي الليبية، واحترام سيادتها كدولة موحدة، مع رفض التدخلات الخارجية فيها، ورفض تدفق الأسلحة والمقاتلين إليها. كل ذلك أكد عليه وزراء الخارجية المجتمعين، مركزين على ضرورة تقديم كامل الدعم للشعب الليبي الرافض تماماً لمحاولات السطو على مقدراته وانتهاك سيادته، وتعزيز أركان الدولة الوطنية ومؤسساتها، ودعم السلم والوفاق والوحدة والتنمية، وعلاج الملف الليبي بأيدي الليبيين أنفسهم. ولعل إعادة الاعتبار لمجلس النواب يسهم في تشكيل حكومة وطنية لإنقاذ ليبيا.
مبعوث الأمم المتحدة لليبيا غسان سلامة الذي شارك يوم 30 يناير في أعمال القمة الثامنة لرؤساء وحكومات اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى حول ليبيا، أبلغ المجتمعين عن خيبة أمله بما آلت إليه الأمور فقال: (مع التطورات الأخيرة على أرض الواقع، يؤسفني أن أبلغكم أن هذه الهدنة لا تعدو إلا أن تكون هدنة اسمية. فقد ازداد تبادل الضربات المدفعية بشكل كبير في طرابلس في الأيام الأخيرة، مع ما رافق ذلك من زيادة في عدد الضحايا المدنيين). الأحداث المرتبطة بالشأن الليبي كانت سريعة وعلى مدار شهر يناير، لكن على ما يبدو أن نهاية النفق ما تزال بعيدة، وأن بصيص النور لم يظهر بعد.