قد يستنتج المرء من أحداث الأندلس، ومباهجها ومآسيها، أن الأندلسيين قد صنعوا نموذجاً فريداً للتعايش السلمي للأعراق والديانات المختلفة، ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون يتحاربون مع النصارى في المشرق، والبروتستانت والكاثوليك في حرب مستمرة في الغرب، كانت الأندلس بوتقة لمزيج رائع من العرب المصريين واليمنيين، وإن شئت بين أولئك القادمين من سوريا، والآخرين القادمين من سواها، وكذلك النصارى القوط والروم الإسبان، واليهود الذين كانت الأندلس أكبر تجمع لهم في سائر أنحاء العالم، في ذلك الوقت، وأيضاً أمازيج قدموا من شمال إفريقيا، وجنود قدموا لخدمة الخليفة والأمراء من شرق أوروبا، وغيرها، من السلافيين المعروفين بالصقالبة، وبعضاً منهم جلبوا رقيقاً، إضافة إلى عدد من الإفريقيين جنوب الصحراء.

وكل أولئك المسلمين قد يختلفون في مذاهبهم، غير أن المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية هي السائدة لدى سكان الأندلس المسلمين، بما فيهم حكامهم على مر العصور.

والأندلس أيضاً أدخلت على شبه الجزيرة الأيبيرية طابعاً جديداً، فأصبحت المآذن تقام، والمساجد تشيد مع تعدد الكنائس والمعابد اليهودية، وجلب الأندلسيون معهم مبدأ النظافة، فانتشرت الحمامات العامة، وهي التي كانت سائدة في الشام أثناء الحكم الأموي، وهذا التقليد في زيارة الحمامات العامة بصورة دائمة ما زال قائماً حتى الآن في الغرب العربي، وما زال الناس نساء ورجالاً في الغرب العربي يزورون تلك الحمامات كل جمعة على أقل تقدير.

أبدع الأندلسيون في البستنة، وجلبوا النخيل معهم، وقد رأى عبدالرحمن الداخل نخلة منفردة بأشبيليه فقال:

يا نخلُ أنت فريدةٌ مثلي

في الأرض نائية عن الأهل

تبكي وهل تبكي مكمّمةٌ

عجماء لم تجبَل على جبْلي؟

لو أنها عقّلت إذاً لبكت

ماء الفرات ومنبت النخل

لكنها حرمت وأخرجني

بغضي بني العباس عن أهلي

هي وحيدة، وهو وحيد، وقد بكت وبكي، وحرمت وحرم، لأسباب خاصة بكل واحد منهم.

جلب الأندلسيون معهم بعض الزهور الزاهية، والروائح الزكية، ونباتات الزينة، وبذور البهارات، ذات النكهات الخاصة، والرائحة النفاذة، وأوجدوا بركاً أحاطوها بالزهور والنخيل وغيرها من الأشجار، وجعلوا حولها النوافير في مناظر خلابة لم تكن معروفة في أوروبا.

وغيّر الأندلسيون التركيبة الإنتاجية فأدخلوا محاصيل جديدة، مثل السكر، والأرز، والبرتقال، والليمون، والحرير، والقهوة، وبفضل تلك المهارة الفائقة في الزراعة، أدخلوا تقنيات ري جديدة، وحسنوا ما كان موجوداً، بإدخال بعض التعديلات عليها، وتوسعوا في ذلك، وبسبب مهاراتهم في المجال الزراعي، توسعوا في زراعة السهول مع تصريف مياه السيول، ولم يثنهم عن ذلك بعض العوائق الطبيعية فزرعوا سفوح الجبال الثلجية، وغيرها.

أدى التوسع الزراعي إلى زيادة التبادل التجاري مع الدول المجاورة، لا سيما شمال إفريقيا، وإيطاليا، وجلب ذلك التبادل معه تبادل الفكر، والعلوم، والموسيقى، وتجاوز ذلك التلاقح العلمي حدود الجوار إلى ما هو أبعد، وأخذت في زيادة التمدن والإبداع والاختراع، وأخذت تنافس بغداد ودمشق.

عندما كانت قرطبة في أوج تقدمها، كانت تلبس حلة جميلة من الزينة، والقصور، والبساتين، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، وكانت شوارعها تضاء بالقناديل في المساء، وكأنها نجوم السماء قد زرعت على الأرض، في وقت كانت فيه مدن أوروبا مهدمة بسبب الحروب الناتجة من الاختلافات المذهبية، أو الأطماع الشخصية.

وإذا أردنا أن نضع مقارنة موثقة وموثوقة، فإن أوروبا عندما كان الحكم المستنصر خليفة في الأندلس، لا تحوي أكبر مكتبة فيها أكثر من ستمائة كتاب، وفي ذات الوقت كان الوراقون في قرطبة ينتجون ستين ألف كتاب مكتوب باليد في العام الواحد، وفي مكتبة الخليفة وحده ستمائة ألف كتاب في الشعر، والموسيقي، والطب، والمنطق، إضافة إلى علوم الدين، والشعر، واللغة.

لقد كانت القوافل التي تحمل الكتب لا تنقطع قادمة من دمشق وبغداد وغيرها من مراكز العلوم، ونتج عن هذه المسيرة العلمية بروز علماء أفذاذ مثل ابن رشد وابن زهر، وموسى بن ميمون اليهودي الديانة، والطبيب والفيلسوف والعالم الذي فتحت الأندلس له قلبها ليعيش مكرماً سواء بسواء مع المسلمين والنصارى.