قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نتيجة للانفجار الكارثي الذي وقع في مرفأ بيروت، أرسل المغرب مساعدة مستعجلة للبنان، تنفيذاً لتعليمات ملك البلاد محمد السادس، أهم ما جاء في هذه المساعدة إرسال مستشفى عسكري ميداني إلى بيروت يتضمن جناحاً للعمليات ووحدة للاستشفاء والفحص بالأشعّة والتعقيم ومختبراً وصيدلية، فضلاً عن أدوات طبيّة للوقاية من كوفيدـ19، يؤطّره 100 إطار من ضمنهم 14 طبيباً من تخصّصات مختلفة، فكيف نقرأ مساعدة المغرب الطبّية للبنان؟

إنّ القراءة التّي يمكن أن نقدّمها لهذه المبادرة المغربية لا تعبر فقط عن مجرّد تضامن مغربي وبروتوكول تآزر عابر مع البلدان الشقيقة عبر العالم، وإنّما تعكس رؤية المغرب لمعاني التضامن العربي، خاصة أن المشكل السياسي هو العائق الأصلي المعيق للتكامل العربي، الذي تطمح إليه الشعوب العربية ونخبها المتنوّرة. وحتّى نوضّح هذه الرؤية التي يبرز بعض أسسها في مساعدة المغرب للبنان، نستند إلى خطابَين ملكيَّين، الخطاب الأول الذي ألقاه ملك البلاد في القمة الخليجية بالرياض في أبريل سنة 2016، حيث وضّح فيه أن ما يربط المغرب بالدول العربية وخاصة دول الخليج، ليس فقط اللغة والدّين والحضارة، وإنّما «التشبّث بنفس القيم والمبادئ وبنفس التوجّهات البنّاءة»، أي التشبّث بالوعي التّاريخي الذي يجعل من الشّأن العربي شأناً مشتركاً، إذ كلّما مسّ قرح بلداً عربياً امتدّ هذا القرح إلى كلّ العرب.

إن الوعي التاريخي الذي يستدعي وعياً ناجعاً تفرضه التهديدات التي تتربص بالبلاد العربية خاصة في المجال الأمني، وهذا يتطلّب الانتباه الجدّي إلى تفاصيل النكبات اليومية التي قد تطرأ على هذا البلد أو ذاك، من خلال هذا الانتباه الذي تجليه، مثلاً، هذه المساعدة، يترسّخ الوعي المركّب بين الشعوب العربية وقاداتها لبناء إرادة جمعية دفاعية ضد «المخطّطات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا». إن دلالة مساعدة المغرب للبنان تدخل في هذا السياق الذي أشار إليه الخطاب حيث اعتبر أن العمل العربي المشترك «لا يتم بالاجتماعات والخطابات ولا بالقمم الدورية المشتركة»، وإنما بالتعاون الملموس والتّآزر المستمر.

أما الخطاب الثاني الذي ألقاه ملك المغرب في القمة العربية الأولى بشرم الشيخ في فبراير 2019، فيرهن شرط تحقق تكتلات عربية إقليمية صحيحة، ومن بينها اتحاد المغرب العربي، بضرورة خلق فضاء عربي يقوم على حسن الجوار وتجاوز سياسات وسلوكيات بعض بُلدانه تجاه بعضها الآخر، ضماناً لأفق التكامل العربي المنشود. وما يقابل كل سياسة أو سلوك غير لائقَين هو إرادة المساعدات المتجدّدة التي تُعِد نكبة أيّ بلاد عربية نكبة أمة، بمعنى أن يكون فعل المساعدة بين البُلدان العربية إرادة تتجاوز السياسة لتعانق الإنسان العربي وتقرّبه من نظيره، ليس بدلالة عرقية متكلّسة ولكن بدلالة الاعتراف، بأنّ هذه الأمة يوحّدها وجدان عميق جداً تتردّد أسراره في أصول إنسانها الذي يحنّ دوماً إلى تكامله المُعطّل.