(1) تستوقفنى كثيراً الحكايات التى ينقلها المراسلون من أماكن الحروب والنزاعات، تلك الواقعة على الحافة بين الحياة والموت، والبقاء والفناء، والخراب المحقق وحلم إعادة الإعمار المعلّق.. نحن فى السلم لسنا كما نحن فى الحرب على الأرجح، فنحن لا نحب فى الحرب ولا نبغض كما نحب فى السلم ونبغض، ولا ننكسر فى الحرب أمام الحياة اليومية كما ننكسر فى السلم، لأنه -فى الحرب- لا حياة يومية هنالك!
حين أقلب فى دفاتر الذين عايشوا أو يعايشون الحروب فى منطقتنا وسواها، غالباً ما أخرج بالكثير جداً من الثقل والألم واشمئزاز القلب من التفاصيل اللاإنسانية.
أحس -لكثرة الحكايات وفوضاها- أنى أتجول وسط الأجساد المسجاة بلا أرواح ولا وجوه، وأظل أسائل نفسى كثيراً: هل حقاً حكايات الحرب العالمية الثانية هى الأكثر قسوة وتعقداً فى تاريخنا الحديث كما يبدو من الحكايات المتناثرة عنها ومنها، أم أن تلك الحرب الملعونة لتقادم الزمن عليها -فقط- قد سمحت بكشف بعض مستورها، بينما تلزمنا سنوات أخرى كثيرة قبل أن نفيق على بشاعة ما هو جار حولنا الآن؟
أقرأ وأفكر -مثلاً- فى تلك السيدة التى افتتحت أول متجر من نوعه لصناعة وجوه بديلة لأولئك الذين تشوهت وجوههم فى الحرب، أو فى تلك الفتاة التى التُقطت لها صورة وهى تركض والنار مشتعلة بطول ظهرها وعرضه، أو فى الجندى الذى صُرع رفيقه أمامه فاستعار حذاءه علّه يحمى قدميه من عضات شتاء أوروبا القاسى، وصورة حبيبته ليستأنس بها ويستعين على وحشة الحرب، بعد أن اعتذر لجثته على ذلك التطفل (اعتبار أن الحى أبقى من الميت)!
أفكر فى كل هذه الحكايات وسواها كثير وأقول فى نفسى: هذه ليست حكايات.. هذه نصال حادة فى قلب الإنسانية.
لكنى كذلك أعود وأسترجع حكايات من فصيل آخر، بنهايات مختلفة ومغزى مغاير، مثلاً كحكايات المسلمين الأوروبيين الذين تفننوا فى إنقاذ وتهريب مدنيين يهود بعيداً عن نفوذ النازى وسفاحيه وعن حدود معسكرات الموت الهتلرية، فأتعلم كيف تهزم الحروبُ الخلافات التقليدية الموروثة بين الطوائف.. أو كحكايات النساء الروانديات اللاتى شكّلن فريق مسرح متنقل بين المدن يحكين حكايات ترفع من الروح المعنوية للنساء اللاتى سحقت الحروب قلوبهن وأحلامهن الصغيرة، فأتعلم كيف أن لكل منّا شيئاً ولو صغيراً يقدر على أن يقول به للموت والحرب والتخريب: لا.
(2) لابد أن صناعة «التقاليد» فى الحضارة الإنسانية بدأت بممارسة غامضة ومريبة من هذا الفصيل، ابتدعها شخص دؤوب دون أن يجد نفسه بالضرورة مضطراً لتفسيرها، لكنه استطاع بدأبه أن يقود عشيرته/ مجتمعه تدريجياً نحو تبنيها دون فهم كامل!
وبعد أن يستقر التقليد أو العرف، الذى غرسه واحد من الأساتذة «ميم» فى تاريخ الإنسانية، فإن الذى يجرؤ على خرق ذلك السلوك الذى دأبنا عليه سنسميه «أيكونوكلاست» ونصبّ عليه اللعنات! والأيكونوكلاست هو المصطلح المتحذلق الذى يستخدمه المثقفون للإشارة إلى أصحاب الميل لتحطيم الأيقونات والموروث وما ارتضته جماعة بشرية بعينها عبر أجيال، وذلك بغضّ النظر عن نوع الأيقونة التى تحطمت أو قيمتها الحقيقية، أو عن الباعث الحقيقى الذى دفع أحد الأساتذة «ميم» قبل قرون لخلقها وتقديسها وإلزام المجتمع بها بإصرار!
مؤخراً، قرأت عن أطروحة علمية أنجزها باحثان غربيان قبل عقود تفيد بأن بعض التقاليد التى دأبنا فى عصرنا الحديث على اعتبارها عريقة ومعبرة عن روح جماعة بشرية بعينها وخلاصة تراثها، هى فى أصلها لم تكن أكثر من «افتكاسة» حديثة نسبياً خرج بها شخص أو مؤسسة لأسباب عارضة أو لتحقيق مكاسب مادية مؤقتة، ولم يكلفه الأمر أكثر من صناعة «أسطورة» حول افتكاسته والنفخ فيها كى تغدو أيقونة ورمزاً مع الوقت!
هذا مثلاً ما حدث مع «الكلتية»، وهى تلك التنّورة القصيرة ذات الكسرات التى يشتهر بها الأسكتندليون كرمز لهويتهم التى تميزهم وتحمى كينونتهم من الذوبان فى سطوة التاج البريطانى.. فالمألوف والمتصور أن تلك التنورة القصيرة التى يرتديها الأسكتلنديون فى المناسبات ذات الطبيعة القومية بينما يعزفون على المزامير ذات القِرَب، هى نوع من الفلكلور القديم والمتجذر فى تراثهم، يميز أمتهم عبر العصور ويضع عليها علامة لا يخطئها التاريخ.. لكن الحقيقة أن «مفتكس» هذه التنّورة هو صانع إنجليزى من لانكشاير كان يعيش بالقرن الثامن عشر ودأب على إيجاد لباس موحد ملائم لروح العمال الذين يعيشون فى هضاب تلك المنطقة (أسكتلندا) علّه يغريهم بترك حرفة الزراعة والالتحاق بالمصانع المشيدة حديثاً فى المنطقة! أما مزامير القرب فهى أداة موسيقية حديثة النشأة نسبياً، صنعها الأسكتلنديون بعد الوحدة مع بريطانيا بزمن طويل وكان الهدف منها إصدار أصوات احتجاجية على الاحتلال البريطانى.. يعنى التنّورة كانت نتاجاً للثورة الصناعية ومزامير القرب كانت احتجاجاً على الاحتلال، وكلاهما مستحدث ولا يمثل أيهما تراثاً عريقاً ولا شيئاً!













التعليقات