قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

العبقرية في الكتابة؛ من أين تأتي وكيف؟ يترجع صدى هذه العبارة في دماغي كلما قرأت عبقرياً خالداً مثل دوستويفسكي، الذي مازال يستحوذ على دهشتي حين أقرأه، منذ أول مرة وحتى اليوم. أردد كثيراً الإخوة كارامازوف هي الدنيا مصغرة، فيها كل أنواع البشر، فيها تحليل نفسي ووصف دقيق لكل الحالات الإنسانية التي يمكن أن تصادف في حياتك، لكن كلما قرأت كتاباً آخر له، يتملكني ذات الإحساس، يا لهذه القدرة الخارقة على فهم الناس ويا لهذه القدرة الخارقة على وضع هذا الفهم في جمل في رواية. بهذا الفهم العميق للطبيعة البشرية جاءت رواياته تنبئ بمصير الثورة الروسية وكيف سيتصرف القائمون عليها. وللمعترضين على أهمية الرواية، أعتقد أنهم لم يقرؤوا دوستويفسكي، رواياته عندي تختصر الكثير من كتب علم النفس أو على الأقل تمنحها الحياة، وإذا كان علم النفس يركز على وصف الحالات المرضية فروايات دوستويفسكي تعرفنا على كيفية ردات فعل البشر في الحياة اليومية، ضعفهم، سورات غضبهم، كيف يحبون، وكيف يكرهون، وكيف يحقدون، وكيف يواجهون المرض، الذل، القسوة وكل ما يخطر على البال من كيف يمكن أن يتصرف الإنسان في مواجهة أي مسألة تحرك عواطفه.

هو كذلك يملك هذه القدرة على وضع كل الأسئلة والشكوك التي تدور في عقل الإنسان، بطريقة مشوقة بحيث تقرأ الرواية بدون أن تشعر بأنك تقرأ كتاباً في الفكر أو الفلسفة أو السياسة. مرة أخرى يا لهذه العبقرية.

وعلى الرغم من أنه كان يكتب رواياته دائماً تحت تهديد التسليم في الوقت المحدد، وشكواه من أن هذا لا يجعله دائماً قادراً على التمهل والكتابة بعمق أكثر واضطراره لإنهاء الروايات أحياناً على عجلة، نتساءل: هل كان ممكناً كمال أكثر مما فعل؟ بينما كان تولستوي وتورجينيف من الطبقة الأرستقراطية التي لا تحتاج إلى المال، لا نجد أن دوستويفسكي بحاجته إلى المال والكتابة تحت ضغط الحاجة، جعلته مبدعاً أقل، بل كان أكثر.

بدأت تجربته في عالم الكتابة بالترجمة، تعرف على الكلمات واللغة بعمق أكبر، وانطلق بعدها ليكتب روايته الأولى الفقراء، التي اطلع عليها زميل كاتب وشاعر آخر معروف في وقته، والاثنان حين أكملا القراءة شعرا أن كاتبا فذا قد وُلد، ذهبا إليه في الفجر، ليخبراه بذلك، غوغول جديد، هذا ما أطلقه عليه الشاعر نيكراسوف. أما الناقد بيلينسكي فقد سأله "هل تدرك حقاً ماذا كتبت؟"

وأنا كلما قرأت كتاباً لدوستويفسكي، تساءلت: هل كان يدرك ما يكتب، هل العبقرية تولد مع الإنسان أم يكتسبها بالخبرة والتجربة؟ هل يدرك الناس عبقرية دوستويفسكي؟ هل قرأ الناس دوستويفسكي؟