قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ أن تم الإعلان يوم الجمعة الماضي، عن صدور بيان من البيت الأبيض بنيّة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعلامه الكونغرس بذلك، مع حديث الرئيس ترمب في اليوم ذاته، عن لقاء مرتقب يجمع بينه وبين رؤساء السودان وإسرائيل لإبرام السلام بين الأخيرتين، وكان ذلك ضمن اتفاقية أصرت إدارة ترمب، لأسباب انتخابية، أن تجعل منها حزمةً واحدة، أي عبر عرض اقتران شرطي، بين رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وبين علاقات السلام. منذ ذلك اليوم، لا تزال ردود الفعل في المنطقة العربية تتوالى، وخصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية.

معرف الخلفيات

في البداية، من الأهمية بمكان القول إن كل مَن لا يعرف خلفيات خيار الحكومة السودانية في السلام المشروط، ومدى الدمار الهائل الذي ألحقه قرار وضع اسم الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب على مدى 27 سنة، بالأوضاع المعيشة في البلاد، وتخريب مميت للمشاريع الوطنية السودانية، كمشروع الجزيرة، ومشروع السكك الحديد والخطوط الجوية السودانية. وكل مَن لا يعرف أنه حتى الآن، يستحيل على السودان استيراد أي قطعة غيار ومدخلات الإنتاج، إضافة إلى منع الدولار من التداول في البنوك السودانية وعزل السودان عن الشبكة المصرفية الدولية، وعجز أي مؤسسة دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمات الخيرية ودول العالم جميعاً، بما فيها الدول العربية، عن القدرة عن أي دعم أو مساعدة أو استثمار في السودان طوال أكثر من 25 سنة، بسبب ذلك القرار المميت. أقول إن كل مَن لا يعرف هذه الخلفية القاسية عن أسباب استجابة الحكومة السودانية لهذا الخيار المشروط ليس أهلاً في تقديري لأي نقاش أو حوار جاد حول هذه المسألة.


الضائقة المعيشية


يمكن فهم الأمر كالتالي: السودان اليوم يمر بضائقة معيشية تفوق الخيال، ومهما ظن البعض في المنطقة العربية مدى قساوة هذه الضائقة المعيشية، فإن ما يحدث فوق ظنهم، واسوأ منه. والأمر بطبيعة الحال لا يتصل بفقر السودان من الموارد، بل بالفساد الذي مارسه نظام "الإخوان المسلمين" منذ انقلابهم المشؤوم في عام 1989 بقيادة عمر البشير، وبإيعاز من حسن الترابي، ثم بقراراتهم وسياساتهم الكارثية التي أدت إلى انفصال الجنوب وإشعال حرب أهلية في دارفور راح ضحيتها أكثر من 300 ألف سوداني، واستضافتهم الإرهابي أسامة بن لادن لسنوات، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ الولايات المتحدة قراراً بإدراج اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1993.
وهكذا، حين ثار الشعب السوداني ثورته المباركة ضد نظام البشير في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، بعد أن صبر عليه صبراً عزيزاً لـ30 سنة، وأسقط نظام البشير في 11 أبريل (نيسان) 2019، كان ذلك إنجازاً عظيماً تخلص فيه الشعب من ذلك النظام العقيم، لكن مع ذلك كان على حكومة الثورة الانتقالية أن تتعامل مع آثار الدمار على حياة السودانيين التي خلفها نظام البشير في العلاقات الدولية، ولا سيما قرار وضع اسم السودان في قائمة الإرهاب لـ27 سنة.

وانعكس تعامُل حكومة الثورة السودانية مع هذا القرار، وضعاً حساساً وضعتها فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب المتزمتة في ولائها لإسرائيل، في ظروف منافسة انتخابية حاسمة لتلك الإدارة التي عرضت على الحكومة السودانية خيار رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقترناً بالسلام مع إسرائيل.

الخيار الصعب

في هذا الوضع المعقد، وجدت الحكومة السودانية نفسها بين أمرين كلاهما مُر، فهي من ناحية تدرك (ويدرك معها العالم أجمع) أن قرار رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب قرار حصري بيد الحكومة الأميركية فحسب، دون غيرها من دول العالم، كما أن الحكومة السودانية تدرك في الوقت ذاته، أن الضائقة المعيشية وصلت إلى مراحل كارثية، وتفاقمت بصورة فادحة كنتيجة حصرية لآثار قرار وضع السودان في تلك القائمة، وهو وضع كارثي إذا تفاقم وتمدد سيُفضي بالضرورة إلى حرب جياع، أو حرب الكل على الكل من أجل لقمة العيش، وهي أخطر باب من أبواب الحرب الأهلية، بعد أن خاض السودان حربين أهليتين كُبريين، انتهت الأولى بانفصال جنوب السودان عام 2011، والثانية انتهت بدمار إقليم دارفور الذي راح ضحية الحرب فيه، أكثر من 300 ألف مواطن.
أما الحرب الأهلية التي من المحتمل أن تندلع إذا تفاقم أمر الضائقة المعيشية، نتيجة بلوغ الأوضاع المعيشية مرحلة الانهيار الشامل، بفعل قرار وضع اسم السودان في قائمة الإرهاب لـ27 سنة، فقد تحوِّل السودان إلى صومال آخر.


خفة في التعاطي

لو سألنا أنفسنا: مَن مِن المحللين السياسيين العرب الذين يخرجون في الفضائيات العربية، لديه إدراك أو حتى إلمام مفيد بهذه الحيثيات المعقدة لوضع الضائقة المعيشية في السودان، والتي هي نتيجةً لآثار القرار المذكور، لكي يدرك هذا المحلل طبيعة الموقف الحساس الذي وجدت فيه الحكومة السودانية نفسها حيال موضوع السلام وملابساته؟

ربما لا نجد أحداً من أولئك المحللين والصحافيين العرب مُلماً بطبيعة ذلك الخراب العظيم للقرار. ومع ذلك هو على استعداد للتبرع بأحكام اتهامية مجانية للخرطوم دون أي اكتراث أخلاقي لموقفه ذاك!

في تقديرنا، نزعم أن السودان في الأغلب الأعم هو خارج دائرة اهتمام (وحتى دائرة تفكير) أولئك المحللين والكتاب العرب، لأسباب معقدة يطول شرحها، لذلك سنجد أن أسهل ما على أولئك المحللين هو أن يرموا حكومته بالخيانة والطعنة في الظهر للقضية الفلسطينية، في حين أن أي مقارنة للأوضاع المعيشية والخدمية لمدينة فلسطينية محاصرة كمدينة غزة بالعاصمة السودانية، ستكشف لنا أن أوضاع غزة المعيشية والخدمية أفضل حالاً بما لا يُقاس من أوضاع الخرطوم، لكنها الأيديولوجيا من ناحية، والخِفة غير المحتملة لكثيرين من أولئك "المحللين" والصحافيين السياسيين العرب، من ناحية ثانية، للأسف.

لقد بدا الأمر في نظر أولئك المحللين السياسيين العرب كالتالي: أيها السودانيون، حتى لو جُعتم ودخلتم في حرب أهلية وانهارت أوضاعكم المعيشية، وحتى لو خيروكم بين رفع اسم بلدكم من قائمة الإرهاب مقابل السلام، فعليكم أن تموتوا وتتشردوا وتخرب بلادكم على أن تقيموا علاقات مع تل أبيب! بينما الذين يبررون من أولئك المحللين السياسيين والصحافيين العرب، سلام مصر والأردن مع إسرائيل بحجة استعادة أراضٍ محتلة، لا يهمهم انهيار السودان ودخوله في حرب أهلية نتيجة لذلك القرار الذي سمم حياة المواطنين بسبب سياسات نظام الإسلاميين على مدى 30 سنة.

إذاً، في ظل امتناع أيديولوجي كهذا، كيف يمكن تطوير قناعات تتفهم أوضاع السودانيين لأناس لا يقع التفكير بالسودان ضمن دائرة اهتماماتهم العربية أصلاً؟

هكذا، فيما نجد التناقضات أكثر وضوحاً مثلاً في اجتماع الفصائل الفلسطينية بإسطنبول في تركيا (التي أنشأت علاقات مع إسرائيل منذ عام 1953) من أجل توحيد منبرهم، مع ذلك لا يجد أولئك المحللون غضاضةً في تلك المفارقة التي تمثلها تركيا في علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية، لأن المانع الأيديولوجي يمنع أولئك من رؤية الحقائق. بطبيعة الحال، سيكون لقرار الحكومة السودانية ارتدادات قوية في بنية تحالف "قوى الحرية والتغيير" (الحاضنة السياسية للحكومة السودانية)، مثل الشيوعيين والبعثيين والناصريين وحزب الأمة. وظهر ذلك من خلال تصريحات بعض تلك القوى وبياناتها، وفي تقديرنا أنه من الأفضل لتلك الأحزاب تبيّن موقفها واضحاً من حيث الاتساق، أي بأن تسحب أعضاءها من المواقع التنفيذية في الحكومة، وتصبح معارضة وطنية يمكنها الإسهام في مسيرة المرحلة الانتقالية.

لن يكون مسار سلام السودان مختلفاً في نتائجه السياسية عن تجربتَي مصر والأردن، ولهذا ليطمئن الجميع بأن السودان لن يكون مختلفاً.

المغالطات التي تنعكس على حجج المعارضين للسلام السوداني المشروط تحديداً لا تقوم على حجج متماسكة، لا سيما أن بعضهم سودانيون، ولكن بلغ بهم الانحياز الحزبي المؤدلج مبلغاً منعهم من رؤية الحقائق. ومع ذلك، يمكننا أن نُحاجج المعارضين بسؤال: تحت أي مبرر أخلاقي تخلت الدول العربية عن فلسطين التاريخية (من النهر إلى البحر) حين اتفقت على المطالبة بحدود 1967 في القمة العربية ببيروت عام 2002؟ فهل كان المبرر الذي أقنع قادة "فتح" ومحللي الفضائيات، بذلك، مبرراً سياسياً مثلاً؟ وإذا كان كذلك فهل هذا يتسق أخلاقياً مع التخلي عن أرض وحقوق تاريخية للغير؟

أما إذا كان المبرر سياسياً فما الذي يعطي الفصائل الفلسطينية حق التخلي عن فلسطين التاريخية لأسباب سياسية، ويمنع السودانيين من سلام مشروط يتضمن شرطه قراراً برفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار ذكّرنا بآثاره الكارثية واحتمالاتها المفتوحة على الحرب الأهلية، وانفراط شمل السودان حال بقاء القرار سارياً؟ هكذا، سنجد أنفسنا أمام مغالطات أيديولوجية عقيمة، لن تفضي إلى نتيجة.

ستظل فلسطين قضية ضمير عالمي، لن تسقط بالتقادم، ولكن التحديات التي تواجه الفصائل الفلسطينية تحديداً أكبر بكثير من تلك التي تواجه غيرهم.

ولعل أول تلك التحديات، هو عجز تلك الفصائل عن الاتفاق على برنامج تحرر وطني شامل يضع كل حراكها ضمن حركة تحرر فلسطيني، تستثمر قرارات الأمم المتحدة الداعمة للقضية الفلسطينية لصالح حراكها كقوى سياسية تحت الاحتلال، ومن ثم الشروع في اعتماد كل الخيارات وفق الطرق المشروعة للنضال السياسي وغير السياسي، أي ذلك الذي يكفل للفلسطينيين الكفاح المسلح بموجب قرارات الأمم المتحدة، بعيداً عن عمليات الإرهاب والتفجيرات الانتحارية ضد المدنيين، وإنما في القيام بعمليات نوعية ضد الجيش الإسرائيلي، وذلك أمر متاح لأي حركة تحرر تحت الاحتلال، لكن حركة "فتح" آثرت وراهنت على خيار الحوار السياسي مع الاحتلال، كما جرى في اتفاق أوسلو عام 1994، وانتهى في النهاية إلى لا شيء تقريباً.

وفي تقديرنا، في ظل غياب مشروع برنامج تحرر وطني موحد تجتمع على أهدافه كل التنظيمات الفلسطينية، عبر ممارسة كل الطرق المشروعة لرفض الاحتلال الإسرائيلي، سيكون التعويل على الدول العربية فحسب، أمراً غير مناسب، لا سيما أننا رأينا إلى أي مدى كشفت تجربة الربيع العربي: أن كل دولة في المنطقة العربية تحتاج إلى كثير من الجهود البينية داخلها من أجل تحقيق استقرارها ووحدتها.