قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تأثير الجغرافيا السياسية يتضحُ بقوة في كل ما يتعلق بالشأن التركي داخلياً ودولياً. والمضائق المائية تحديداً، تعتبر صمامات العبور لحركة التجارة العالمية، لذلك تُعد الدول التي تمتلك هذه المضائق محظوظة كونها تتحكم في جزء من حركة عجلة الاقتصاد الدولية، لكن في الوقت نفسه قد يتحوّل هذا الامتياز إلى لعنة، تجلب المشكلات وتجذب المناوشات، خاصة على المستوى المحلي، وسبب لعدم الاستقرار الداخلي.
المواجهة الجديدة اليوم في هذا الملف بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وأميرالات متقاعدين عبّروا عن رفضهم مشروع بناء «قناة إسطنبول» المائية، التي يعتزم شقّها الرئيس بموازاة مضيق البوسفور لتربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود. المحتجون من العسكر يرون أن مشروعاً كهذا سيقوّض حرية الملاحة في البحر الأسود، لأن تركيا ملزمة ببنود اتفاقية تسمى «مونترو» منذ عام 1963 تفرض عليها حرية الملاحة البحرية في البحر الأسود، أي المرور من دون رسوم، وتقيّد الدول غير المطلة على البحر بالبقاء ما لا يزيد على 21 يوماً. أما الرئاسة التركية فترى أن المضيق الجديد سيخفف الضغط الهائل على البوسفور الذي يعد نقطة مرور لآلاف السفن سنوياً تساوي ضعف ما يعبر في قناة السويس وبنما مجتمعة.
هذه هي المعطيات الشكلية، لكن ما وراء القصد لكل طرف قد لا يكون واضحاً. الرئاسة التركية تقول إن أسبابها اقتصادية، هذا يعني أنها ستفرض رسوماً على العبور، ورافداً مالياً سنوياً بنحو 10 مليارات دولار، وهي تكلفة شق القناة، فلماذا يرفض العسكر مورداً اقتصادياً لبلادهم؟
لنقول إن تركيا بنظامها القائم تشعّبت وتدخّلت في ملفات عدة، وأصبحت أقدامها عالقة بين حبال كثيرة من كل اتجاه، كلما أرادت المضي قدماً تعثرت. هذا التشتت والفرط الحركي السياسي أضعف الموقف التركي، ولم يمنحه تأثيراً إقليمياً ودولياً كما أراد له الرئيس. أنقرة اليوم تجد نفسها ورقة مهمة يتصارع عليها أكبر دولتين؛ روسيا والولايات المتحدة؛ واشنطن تريد وجوداً عسكرياً دائماً لها في البحر الأسود، أي في الباب الخلفي لروسيا، وموسكو ترى أن هذا الحضور يمثل تهديداً استراتيجياً لها في مناطقها. هذا ليس بالضرورة حظوة سياسية بقدر ما فيه من ضغوطات وابتزاز، لأن تركيا لا تستطيع أن تخسر روسيا، لكنها في الوقت نفسه بحاجة للموقف الأميركي الإيجابي معها. هذا الحال يشابه الموقف التركي من موضوع الصواريخ الروسية S - 400 التي اشترتها أنقرة من موسكو، وترفض واشنطن هذه الصفقة وتطالب بالتخلي عنها، وهذا الموقف لم يتغير في إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، والإدارة الحالية لجو بايدن. الأتراك يقولون إنهم لم يتوصلوا لاتفاق مع الأميركان لشراء منظومة دفاع باتريوت الجديدة فاضطروا إلى الشراء من الروس، فردت أميركا بتعليق مشاركة تركيا في برنامج إنتاج الطائرات الحربية المتطورة F - 35 حفاظاً على سريته.
إذن المناورة التركية اليوم من خلال «قناة إسطنبول» ليست بعيدة عن ذلك، وإن كانت أكثر أهمية واستدامة من مجرد صفقة صواريخ. إن سمحت أنقرة للقطع الحربية الأميركية بالعبور والوجود الدائم في البحر الأسود بإنشاء قواعد عسكرية، فلن يكون الموقف الروسي راضياً، وموسكو اليوم تستفز الجيش الأوكراني في شبه جزيرة القرم بمناوشات وإطلاق نار، كإشارة تهديد لواشنطن وأوروبا. لن تسكت روسيا على وجود أميركي محاذٍ لها، خاصة في منطقة بالغة الحساسية والأهمية الجغرافية والاقتصادية كالبحر الأسود. بالتالي إن أرادت تركيا ألا تقع ضحية شعورها بأنها ورقة تجاذب بين القوتين العظميين، فأمامها خيارات محدودة؛ إما صرف النظر عن إنشاء القناة المشكلة، وإما أن تخضعها لبنود اتفاقية «مونترو»، وهذا ما يجعل منها مشروعاً تجارياً خاسراً، أو أن تكون القناة تحت نظام جباية، لكنها لا تسمح بدخول القطع الحربية من الدول غير المطلة على البحر الأسود، ومنها دول حلف «الناتو».
لكن في كل الأحوال، فإن إصرار إردوغان على القناة يؤكد استمرار شهيته على لعب أدوار خطيرة والتورط في مناطق صراع إضافية. هذا ما أقلق الضباط المتقاعدين، ويظنونه مخاطرة سيواجهون تبعاتها في المستقبل.
البحر الأسود نقطة ارتكاز بين الشرق والغرب، ومنطقة غنية بالثروات الحيوية والغاز الطبيعي والهيدروجين، وهذه القيمة الجغرافية والاقتصادية ترجحه ليكون ساحة نزاع بين القطبين. والمشكلة الأكثر أهمية أن النزاع بدأ مبكراً، ومن الداخل التركي، ومن الجيش، برفض المشروع المقترح الذي سمّاه إردوغان في عام 2011 المشروع «الخيالي».