قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هُوَ كذلك، بمشيئة الله أولاً، ثم، ثانياً، من منطلق أن التفاؤل بالخير أول الطريق كي يدرك الإنسان ولو القليل مما يأمل، انسجاماً مع قول أبي الطيب المتنبي: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن». حقاً، أليس أن أغلب ما يجري على أرض الواقع، بمشارق الأرض والمغارب، يؤكد كم يتناقض أحياناً مع جميل الأحلام ومعسول الأماني؟ بلى. حسناً، هل من مؤشرات تدعم التفاؤل أن شهر الصيام، الذي أطل أمس، سوف يكون رمضان استقرار وأمان في ديار العالم الإسلامي، حتى لو لم تتساو كل المجتمعات في مستويات ما تحقق خلال عام مضى منذ رمضان الماضي؟
نعم، ثمة أكثر من مؤشر يعزز التفاؤل. بدءاً من آخر قلق ساور حكماء أهل القرار في العالم العربي، وهو ذلك المتعلق باستقرار الأردن، يجوز القول إن سرعة تجاوز الحكم الأردني، لما أعطاه الملك عبد الله الثاني وصف «فتنة»، هو في حد ذاته سبب كاف لأن يتفاءل المرء بشهر يبدو أن هناك غيرَ طرف أراد خلاله العبث بأمن هذا البلد، وبالتالي استقرار الأوضاع فيه، بقصد إحداث تغيير يتعدى حدود الأردن نفسه وبما يعيد تشكيل وضع مجمل المنطقة، على نحو يفيد أطماع أطراف دولية عدة. إفساد تطلعات الفئة التي تقف وراء إطلاق شرور «فتنة» الأردن، يجيز القول إن حسابات أكثر من جهة لدى كل منها أجندات قديمة بشأن إعادة رسم خرائط المنطقة، قُلِبت رأساً على عقب. اتضح ذلك جلياً لكل ممعن النظر في المشهد الإعلامي عبر مواقع الإنترنت طوال الأسبوع الماضي. هاج البعض فسارع يتخيل ما سوف تتمخض عنه الأحداث كما يروق لمن يتحدث باسمهم من قوى إقليمية ليست تخفي طموحاتها في فرض شروط زعامتها للمنطقة. وماج آخرون فبدا لهم أن قطف ثمار المخطط القديم المعروف باسم «الوطن البديل» بات قاب قوسين أو أدنى. ومن جهتهم، سارع نافخون في أبواق عواصم غير عربية، أهدافها التوسعية على الصعيد الإسلامي أوضح من سطوع شمس منتصف نهار صيف، إلى استغلال ما يُسمى منصات «سوشيال ميديا» لترويج شائعات هدفها الأساس إبعاد شبهات إقحام الأنف الأجنبي تحديداً في الشأن الأردني. حصل ذلك كله بوتيرة أسرع مما يمكن عده بريئاً أو محض صدفة. الأدق أن الأمر خُطِط له، وأن شهر الصيام الفضيل، اختير ليكون نقطة انطلاق تغيير عبثي يشمل المنطقة ككل. وما دام أن ذلك كان المُراد، فمن الجائز أن يُعد إفشال هكذا تخطيط بمثابة إنجاز شرع الطريق أمام رمضان استقرار وأمان.
يبعث على التفاؤل بشهر رمضان أيضاً نجاح مصر في عبور محنة جنوح «إيفر غيفين» وإعادة تعويم السفينة العملاقة، في بحر أيام قليلة، قياساً بحجم السفينة وضخامة حمولتها، ومن ثم استئناف الملاحة في واحد من أهم شرايين النقل البحري على صعيد عالمي. لن أذهب بعيداً، كما شطح المتصيدون أي سمك يستطيعون صيده في بحور نظريات «المؤامرة»، لكن يظل مهماً، وفق تقدير مراقبين كُثر، ملاحظة أن اجتياز مصر أزمة إغلاق قناة السويس في بضعة أيام، هو في حد ذاته تعزيز للثقة بقدرات الدولة المصرية، وبالتالي يجب أن يسهم في شد أزرها عندما يتعلق الأمر بمعركة حقوق شعبها المائية في مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا.
ماذا عن إطلاق المملكة العربية السعودية (22 من الشهر الماضي) مبادرة سلام شاملة بهدف إنهاء مأساة تدمي قلوب الجميع في اليمن؟ الحق أن تلك أيضاً بارقة أمل تستحق أن تعطي شهر رمضان هذا العام نكهة تفاؤل متميز. صحيح أن الطرف الإيراني، ووكيله اليمني، لم يعطيا المبادرة الاهتمام الكافي، لكن تلك اللامبالاة من جانبهما، تُسجل للمبادرة، وليس عليها، وسوف يجري توثيق موقفهما، في المحافل الدولية، دليلاً آخر على إصرارهما على استمرار نزف الجرح في اليمن، بصرف النظر عن الثمن الإنساني.
فلسطينياً، كذلك، يطل رمضان يحمل شيئاً من التفاؤل بقرب إنهاء انقسام أبناء الوطن. أعني الانقسام بين قيادات الفصائل، لأن شعب فلسطين ذاته يظل أصلب من كل فتنة يراد منها قصم ظهر وحدته. سواء تم إجراء الانتخابات أو تعرقل، يبقى من الواضح أن الاتفاق ممكن، وأن المشكل، أساساً، هو في دق أسافين الفشل، كلما لاح بريق أمل. مبارك شهر رمضان عليكم جميعاً، في المشارق والمغارب، بدوام الاستقرار والأمان.