قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لأول مرة يصوم الليبيون منذ سنوات بلا حروب وقتال، وبلا سماع أصوات المدافع والرشاشات وتساقط الصواريخ العشوائية في ليبيا التي تعاني منذ سنوات من حروب متعددة الأسباب، وإن كان أغلبها حروباً ضد الجماعات الإرهابية والعابرة للحدود، التي استخدمت ضمن مشروع الفوضى الخلاقة لتمزيق الشرق الأوسط وإعادة رسم خريطة المنطقة انطلاقاً من مشروع تقسيم ليبيا.
ورغم مخططات التقسيم، ولعل آخرها مخطط سباستيان غوركا لتقسيم ليبيا، فإن ليبيا بقيت سالمة، ودولة غير قابلة للتقسيم، بل عاشت رمضان 2021 بلا حروب، وإن كانت الأوجاع لا تزال قائمة، واستطاع الليبيون التوافق على حكومة وحدة وطنية، وإن كانت تحت سقف المطالب والطموح، إلا أنها في النهاية حكومة موحدة ضمنت وحدة التراب الليبي، فليبيا لم تنسَق خلف دعوات الانفصال والانقسام رغم قسوة خطاب الكراهية الممول خارجياً، وقادته منصات فضائية من بلدان تتخذها جماعة «الإخوان» قاعدة انطلاق لها، ومع هذا لم تنجح بخطابها المضلل ولا حتى بالكم الهائل من الأسلحة والعتاد وحتى المرتزقة التي دفعت بها إلى أتون الحرب على الساحة الليبية طيلة الأعوام العشرة الماضية.
استطاع الليبيون أخيراً سماع صوت الأذان واضحاً من دون أن تشوش عليه أصوات القذائف وأزيز الطائرات وجلجلة المدافع واهتزازات الرشاشات ولا حتى صفير بنادق القناصة.
الرؤى والنظرة للأزمة الليبية، بين حالة الاستقطاب الإقليمي والتنافس الدولي بين إيطاليا وفرنسا وغيرهما؛ دول تنصب رؤيتها للملف الاقتصادي الذي ترغب من خلاله في ضمان حصتها في العقود والصفقات، فتجدها تتمسك بوجود عسكري لها، بينما دول أخرى ترى الملف الأمني والأمن القومي مثل مصر التي تصر على رفض الوجود التركي في ليبيا، لأنها تراه تهديداً لأمنها القومي، خصوصاً بعد الاتفاقية التي وقعتها أنقرة مع سلطات الأمر الواقع في طرابلس، حكومة الوفاق غير الدستورية التي انتهت ولايتها.
حاول الليبيون صناعة البسمة في رمضان هذا العام عبر برامج ومسلسلات تحاكي الواقع المجتمعي بعيداً عن الحروب، مثل مسلسل «شط الحرية» الذي لاقى أعلى نسبة مشاهدة في ليبيا ودول الجوار، رغم بساطة الإنتاج وبساطة النص الذي أغلبه مرتجل، فإنه استطاع إضحاك الليبيين شرقاً وغرباً وجنوباً، وهم الذين عبست وجوههم من معاناة حروب متكررة كانت أغلبها بالوكالة، بينما الضحايا كانوا ليبيين من الطرفين شرقاً وغرباً.
صمود وقف إطلاق النار، وإن كان بضغوط دولية على الأطراف المتحاربة، رسّخ حالة من كره الحروب، وأسس رفضاً مجتمعياً لأي طرف يحاول إعادة إنتاجها تحت أي مسمى أو ذرائع. فالليبيون اليوم وإن كانوا لا يزالون في حالة خصومة سياسية واستقطاب سياسي شديد، يقبلون بهذا ما دام بقي سياسة بلا حروب.
الخصومة السياسية في ليبيا لا تزال في طورها المبتدئ، بل هي أشبه بحالات مراهقة سياسية، لأن أغلبها يطغى عليه المصالح الشخصية والفئوية، ولا وجود لأي برامج سياسية ناضجة يمكن التعويل عليها، ولكن هذه تعد ظاهرة طبيعية في بلد عاش عقوداً من التصحر السياسي، أعقبه عقد كامل من الحروب.
رمضان 2021 بلا حروب ولا قتال في ليبيا وتوافق على حكومة وحدة وطنية، وإن كانت لا تزال تتعثر في خطواتها بين الخطأ والصواب، لأن جل الوزراء جاءوا بالمحاصصة الجهوية والمناطقية وليس بالانتخاب أو حكومة تكنوقراط وخبراء، إلا أنها أفضل من لا شيء أو حالة الانقسام الحكومي السابقة، فالمهم الآن هو العبور نحو الاستحقاق الانتخابي في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل الذي يمثل يوم استقلال ليبيا، ونتمنى أن يكون استقلالاً فعلياً بخروج المرتزقة والقوات الأجنبية وعودة سلطة صندوق الاقتراع، بدلاً من سلطات الأمر الواقع الراضخة للميليشيات والإرهابيين.