قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد إعلان الرئيسين الأمريكي والصيني عن الاتصال الهاتفي بينهما، الذي أبدى كل منهما خلاله رغبته في تهدئة حالة الصراع بين البلدين وإبقاء العلاقة في إطار المنافسة، دون أن تنجرف إلى النزاع، كان لافتاً للنظر محاولات لمراكز الفكر السياسي في الولايات المتحدة، فتح ملف العلاقة من زاوية نظر مستقبلية.

ضمن هذه المحاولات كانت الدراسة التي أعلنها المعهد الأمريكي للدراسات الصينية، وكتبها الخبيران في شؤون الصين وهما – بيتر بيتاي، وآنا توميسيك والتي تضع خطاً فاصلاً بين النظرة من وجهة نظر إيديولوجية الدولة الأمريكية تجاه الصين، وبين نظرة الرأي العام هناك.

وتقرر الدراسة أن 80% من الرأي العام الأمريكي جهلاء بشأن المعرفة بنوع الإيديولوجية التي تتدخل في تحريك الصراع. ومعنى هذا أن الغالبية من الأمريكيين تنقصها المعرفة بما وراء السياسات من أفكار تغلب عليها أحياناً الإيديولوجية. وإن كان هذا الجهل لا ينطبق على غالبية النخبة من الخبراء في مراكز الفكر السياسي.

ثم إن التنوع السكانى في الولايات المتحدة لا يجعل من اليسير إطلاق وصف محدد عليها، سواء بالقول إنها دولة معتدلة، أو وسطية، أو ليبرالية، أو حتى يسارية. فالرأي العام بصورة إجمالية لا يتشارك في توافق سياسي موحد حول معظم القضايا.

ثم تتعرض الدراسة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، على ضوء سعي الرأي العام الأمريكي لمعرفة النوازع السياسية التي تؤثر على مسارات هذه العلاقة. وترى أن مستقبل العلاقة يشكل نقطة انطلاق لمستقبل النظام الدولي ذاته، على ضوء إمكانية تحول العلاقة التصادمية مع الصين إلى نظام مؤسسي تتقارب فيه رؤية الدولتين، وأن وراء هذا الاحتمال ما سبق أن أعلنته الولايات المتحدة عن أن الصين منافس استراتيجي، وذلك نتيجة صعودها في آسيا أولاً، وبعد ذلك أدركت الولايات المتحدة أن صعود الصين لا يتوقف عند الحدود الآسيوية، لكنه ينبئ بامتلاكها مكانة ونفوذاً منافساً لقيادة أمريكا للعالم.

ولعل عودة الشأن الداخلي إلى التأثير على صانع القرار كان له دوره في إعادة النخبة النظر في انفرادها بقرارات السياسة الخارجية. فلقد اعتاد رجال السياسة هناك على أن الرأي العام، خاصة في مواسم الانتخابات، لا يهتم بالشؤون الخارجية، لكن بروز عدد من القضايا التي تربط بين الداخل والخارج، قد صعّد من الاهتمام بالشؤون الخارجية، في قائمة اهتمامات وشواغل المواطن الأمريكي.

تصدرت تلك القضايا بالطبع جائحة كورونا، وما دار حولها من جدل سواء بالتفكير في منشأ هذا الوباء، أو في ظهور احتياجات الدول لبعضها البعض – ومنها أمريكا – لإيجاد علاج يمكن أن يكون عبر مشاركة دولية. ثم ما بدأ يصل إلى علم المواطن الأمريكي من أن مناطق كثيرة في العالم تمر بتغيرات أساسية، تتطلب تغييراً في توجهات السياسة الخارجية إزاءها، ولأن جانباً مهماً من مصالحه – خاصة الاقتصادية – توجد في هذا الخارج البعيد.

إن هذه الدراسة عن مستقبل محتمل للعلاقة بين أمريكا والصين قد فتحت المجال لمناقشات حول قضية سياسية مهمة، وهي عدم معرفة الرأي العام بصورة كاملة بتوجهات السياسة الخارجية بشكل عام، التي قد تكون بعض جوانبها خافية عن المواطن الأمريكي العادي.

ولم تكن تلك الدراسة هي الرؤية الوحيدة للمستقبل المحتمل للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، ومن أهم الدراسات الأخرى الموازية لها تلك المناقشة التي أجراها مجلس العلاقات الخارجية وهو من أهم مراكز الفكر السياسي.

عُقدت جلسة مناقشات حول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصين، ولوحظ وجود اختلافات في وجهات نظر المشاركين بشأن قضايا متنوعة، منها مثلاً موقف الحكومة الأمريكية من حقوق الإنسان في الصين. وقد أيدت نسبة كبيرة من المشاركين فرض عقوبات عليها، لكنهم أظهروا في نفس الوقت رغبة في التعاون مع الصين في قضايا خارجية كثيرة.

وفي تيار المناقشات في عدد من المراكز، كانت هناك رؤية تتحيز لاستمرار أمريكا في تأكيد قيادتها للنظام العالمي، لكن الكثير منها ركز على أن تصعيد الصراع لن يكون في صالح أمريكا، وأن الظروف الحالية التي يمر بها العالم، تجعله مهيأ لوجود قطبين متعادلين على قمة النظام الدولي القادم.