تنطق الدبلوماسية الأميركية بلغة "الصدقيّة الجديدة" التي تنوي إدارة بايدن نسجها عبر سياساتها الخارجية، علماً أن صدقيّتها تلطّخت كثيراً لدرجة لوم القيادات العسكرية الأميركية لها علناً في جلسات الكونغرس على ما فعلته في أفغانستان. تزامنت هذه الجلسات والدعوات من بعض الجمهوريين الى استقالة وزير الخارجية أنطوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جايك سوليفان ومعهما الرئيس جو بايدن، مع جولة مهمّة لسوليفان في المنطقة شملت السعودية ومصر والإمارات، للبحث في نوعية العلاقات الاستراتيجية الأميركية مع الدول العربية في الشرق الأوسط والخليج، في ظل صعود الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تحت ركام العقوبات كالطائر الخرافي لتحلّق مزهوّة بمكانتها الجديدة. فإدارة بايدن تسير في الخطى الأوروبية القائمة على المصاهرة مع إيران للتعايش السلمي معها، عبر عدم التدخّل في صلب السياسة الإيرانية التوسعيّة، إنما مع وضع حدود للسلوك الإيراني لتعريف الخطوط الحمر مثل أمن إسرائيل، حرية الملاحة، والملف النووي. وموسم المساومات والمقايضات قد بدأ.

جايك سوليفان، يرافقه منسّق البيت الأبيض للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكجورك، والمبعوث الأميركي في ملف اليمن تيم لندركينغ، حمل في جيبه رغبة رئيسه جو بايدن بمراجعة السياسات الأميركية في الشرق الأوسط في ضوء تطوّرين أساسيين: تقليص الوجود الأميركي في المنطقة، وإحياء الصفقة النووية مع إيران JCPOA ورفع العقوبات عنها.

عنوان ما يريده بايدن وفريقه هو صقل صدقيّة جديدة لمكانة أميركية جديدة في الشرق الأوسط، في رؤية وخريطة طريق تنقلان أميركا من مرتبة "الأخ الكبير" العسكري الى مرتبة "الشريك الدبلوماسي" في المسائل الكبرى، مثل الأمن بمفهومه الأوسع. بايدن يريد تلميع صورته بعدما لطّختها كيفية انسحابه من أفغانستان، وهو يريد أن يبدو أنه يلمّع صورة أميركا بعدما لوّثها الرئيس الأسبق دونالد ترامب، في رأي جو بايدن.

تؤكّد المصادر أن العمل بدأ في هذا الاتجاه، وأن الهدف هو استكمال رؤية الصدقيّة الجديدة في غضون أسبوعين أو ثلاثة، كي يتمكن الرئيس بايدن من تأبّط خريطة الطريق الى قمة العشرين المزمع عقدها في روما في 30 و31 تشرين الأول (أكتوبر). هذا يعني أن إدارة بايدن تولي أولوية قصوى لإيجاد مكانٍ جديد للولايات المتحدة في شرق أوسطٍ جديد لواقع إيران الجديد ما بعد رفع العقوبات عنها.

إدارة بايدن لا تريد محاور معادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ولمشاريعها الإقليمية. تريد فقط رسم الخطوط التي تعتبرها خطوطاً حمراً ضمن تكتيك تنفيذ ما في ذهنها. وفي ذهنها السعي وراء لجم سياسة التوسّع الإيرانية إنما ليس منعها block it بإجراءات. هكذا تكون إدارة بايدن قد تبنَّت المواقف الأوروبية تجاه إيران وسياساتها الإقليمية، والقائمة على نهجٍ جديد وبتفاهم على قاعدة عدم معارضة أوروبا بشدّة لسياسات إيران الإقليمية، شرط عدم قيام طهران بإجراءات تعتبرها الدول الأوروبية متطرّفة ومؤذية لمصالحها، وعلى رأسها الهجرة والإرهاب (راجع مقالة: المصاهرة الأوروبية - الإيرانية وتقهقهر الالتزام الأميركي بالعدالة، تاريخ 26 سبتمبر).

فأوروبا أولويّة في السياسة الخارجية للرئيس بايدن وفريقه، لا سيّما وزير خارجيته الناطق باللغة الفرنسية. إرضاء الأوروبيين أمر بالغ الأهميّة لدى بايدن وبلينكن وسوليفان (النون الثلاثية)، لأن أوروبا، في نظرهم، أساسيّة وحيويّة للسياسة الأميركية نحو الصين. أما العلاقة الأوروبية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية فإنها مميّزة تقليدياً، لا سيّما عندما تتصدّر ألمانيا صوغها وقيادتها. وما دامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لن تغادر المنصب قبل نهاية السنة، ترى إدارة بايدن أن هذه فرصة لها لتثبيت العلاقات الأميركية - الأوروبية - الإيرانية في النهج الجديد وعلى القاعدة الجديدة.

عنوان هذه القاعدة، حسبما نقله مصدر مطّلع، هو: "سنسعى الى وضع حدود على سلوك إيران، لكننا لن نصدّ إيران". We will try to limit Iran but we will not block Iran.

كيف تترجم هذه العناوين نفسها عمليّاً في ساحة المساومات والمقايضات الدولية والإقليمية كما تتصورها إدارة بايدن والحكومات الأوروبية وكذلك روسيا؟

لعل اليمن هو أكثر الحلقات قابلية لصفقة مساومات. ولم يكن من قبيل الصدفة أن اصطحب جايك سوليفان معه في زيارته السعودية المبعوث الخاص لليمن تيم ليندركنغ. فاليمن مرشح للمقايضة الكبرى إذا عقدت أميركا وروسيا وأوروبا العزم على إقناع إيران بكف يدها عن اليمن من أجل إنهاء هذه الحرب النازفة. الرياض جاهزة لإنهاء حرب اليمن، لكنها في حاجة للمساعدة الأميركية والروسية والأوروبية والأممية. والعنوان الأساسي لإنهاء حرب اليمن هو إيران. وطهران تريدها أن تبقى حرب استنزاف للرياض ما لم تضطر للصفقة بضغوط روسية - أميركية - أوروبية ليس واضحاً أن تكون قد نضجت.

في المعلومات أن روسيا دخلت على خط المساومات ذات العلاقة باليمن "واللعبة على الطريق" game is on the way قال أحد المعنيين بهذا الملف، لافتاً الى مركزيّة موضوع اليمن في سعي إدارة بايدن وراء "الصدقيّة الجديدة". فلكل شيء ثمن في المقايضات الجغرافية - السياسية.

الرئيس فلاديمير بوتين قد يريد أن يعاون الرئيس جو بايدن في اليمن، وكذلك في القواعد العسكرية في آسيا الوسطى التي يتم بحثها بين كبار العسكريين الأميركيين والروس الذين يجتمعون هذه الأيام بكثرة. لكن بوتين لن يقدّم المعونة كرماً منه، وهو يريد من بايدن أن تعترف الولايات المتحدة بالرئيس السوري بشار الأسد وشرعيته.

إدارة بايدن تحاول أن تخفي ما في عبِّها نحو سوريا بتصريحات متناقضة، فيما هي، عمليّاً، تلبّي ما تريده روسيا في سوريا بإجراءات على الأرض، خلاصتها تعويم بشار الأسد وإعادة تأهيله وتأهيل سوريا التي يريدها.

فعليّاً، إن إدارة بايدن تكافئ الأسد وتمكّنه وراء الكواليس، إما عبر البوابة الأردنية بما فيها عدم الاحتجاج على استئناف الرحلات الجوية الأردنية - السورية، أو بذريعة الاعتبارات الإنسانية تغطية لقفزها على "قانون قيصر" والسماح لعبور الغاز والكهرباء من مصر، عبر الأردن، الى سوريا التي تقع تحت طائلة العقوبات، الى لبنان.

واقعياً، إن إدارة بايدن تدمّر عمداً برنامج العقوبات والضغوط القصوى التي تبنّتها إدارة ترامب في كامل الشرق الأوسط، من سوريا الى إيران وربما لاحقاً "حزب الله".

إنه زمن المكافأة بغض النظر عن تاريخ ما حصل في منطقة الشرق الأوسط. وليس وحده بشار الأسد الذي يتربّع مرتاحاً فيما المكافآت تُغدَق عليه. فإيران أيضاً ستتلقى المكافآت، وهي تعتزم توظيفها لخدمة مشاريعها الإقليمية الممتدة من سوريا الى لبنان والعراق.

وبحسب وصف أحد الخبراء في الوجود والتفكير الإيراني في العراق، "أن إيران في العراق مثل الحيّة الخفيّة التي تتلطّى في البيت بلا ضجة وتتأهب للّدغة القاتلة".

أما في لبنان، فواضح أن إدارة بايدن والحكومات الأوروبية قرّرت أنه بلد تابع لإيران بقرار مسبق لن تتراجع فيه الجمهورية الإسلامية. وبما أن الأولوية لدى الحكومات الأوروبية وإدارة بايدن ولدى الصين وروسيا هي إحياء الاتفاقية النووية مع إيران بأي ثمن كان، فلا استعداد لديها لصدّ إيران في لبنان، ولا حتى لجمها أو لجم "حزب الله". ذلك أن الأولوية القاطعة عندها هي تلك الخطوط الحمر المتعلقة بضمان أمن إسرائيل بموافقة طهران و"حزب الله" الضمنيّة.

معظم الدول العربية يتفاعل مع التوجّهات الأميركية - الأوروبية نحو إيران ومشاريعها لسوريا والعراق ولبنان واليمن. فهنالك نوع من الاستسلام بعدما أنهكت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه الدول بمشاريعها التوسعيّة، وبعدما بات واضحاً أن لا صدقيّة للولايات المتحدة كحليف أو شريك، وأن الرهان على صداقتها مكلف جداً.

فمن الاستنزاف الى الإنهاك الى أرجوحة السياسات الأميركية على مزاج رؤسائها، تتأقلم المنطقة العربية مع واقع جديد هو: لا صدّ لإيران ولا لجم لمشاريعها الإقليمية، بقرار دولي؛ هرولة بعض الدول العربية الى سوريا برضا أميركي لكسر طوق العقوبات؛ دخول بعض الدول العربية في فلك المساومات لعلّها تؤدي الى إيقاف حروب الشرق الأوسط.

فهل ستكون الرؤية الأميركية الجديدة القائمة على الدبلوماسية بلا مواجهات عسكرية سبيل تحييد المنطقة عن الحروب الكبرى ومسار تطبيعها؟ أم أن الجهل الأميركي بعقائدية إيران سينسف الصدقيّة الجديدة المرجوّة؟ فلنرَ.