قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يقدم فن الكاريكاتير لوحات تعبيرية، كثيرا ما تنطلق من فكر نقدي، وخيال طليق، لتعطي رسوما فصيحة اللسان، تقدم معاني عميقة القصد، يستوعبها من يراها، ويتأثر بها، ويجد فيها وجبة فكرية كاملة، في ملعقة واحدة. كان ذلك حال اللوحة التعبيرية التي تعد أبداعا رائعا ونشرت في صحيفة "الاقتصادية" الخميس 19 آب (أغسطس) 2021. في منتصف اللوحة يظهر البيروقراطي من الخلف وأمامه سهمان عليه أن يختار أحدهما لتحديد اتجاه مسيرته المستقبلية. أحد هذه الأسهم يقود إلى "التحول الرقمي"، والآخر يقود إلى الإبقاء على "الوضع التقليدي" أي البيروقراطي. ومن ينظر إلى اللوحة يتوقع بالطبع أن يتجه البيروقراطي إلى الوضع التقليدي وليس إلى التحول الرقمي، لأن صاحب اللوحة وصفه أساسا بالبيروقراطي، لكن المأمول بالطبع هو التوجه نحو التحول الرقمي.
موضوع هذا المقال مشابه لموضوع لوحة الفنان فهد الخميسي، ويسعى إلى استكمال مقال الأسبوع الماضي الذي طرح نشأة البيروقراطية على يدي العالم الألماني ماكس ويبر Max Weber، وبين اهتمام المؤسسات الكبرى في القطاعات المختلفة بها وبالقيام بتطبيقها في إدارة شؤونها. ثم ناقش المشكلات التي عانتها وجعلتها سيئة السمعة، بسبب جمودها وعدم مرونتها، وتراكم الأنظمة فيها، وبطء تنفيذ الأعمال، وشكوى الناس وعدم رضاهم عن أدائها.
يطرح هذا المقال دور معطيات العصر في علاج مشكلات البيروقراطية. وتشمل هذه المعطيات وسائل إدارية من جهة، ووسائط تقنية من جهة أخرى. تشمل الوسائل الإدارية معطيات "الهندرة (الهندسة الإدارية)" أو إعادة هندسة إجراءات العمل، وتكرار هذه الإعادة بشكل دوري يدرس المشكلات ويتابع التغيرات ويسعى إلى الاستجابة لها. وتتضمن الوسائط التقنية بالطبع الإنترنت ومعطيات العالم السيبراني التي تمكن "التحول الرقمي"، وتنقل إجراءات العمل المعلوماتية الطابع إلى هذا العالم الشفاف المفتوح الذي تتمتع الإجراءات عبره بالرشاقة والكفاءة والفاعلية. ولعله من المفيد هنا، وقبل طرح بعض التفاصيل، تأكيد ضرورة المزاوجة والتكامل بين الهندرة من جهة والتحول الرقمي من جهة أخرى في علاج مشكلات البيروقراطية والتخلص من سلبياتها، ويضاف إلى ذلك عقلية الاستفادة من ذلك على أفضل وجه ممكن.
تمتاز "الهندرة" بأنها تسعى أولا إلى فهم الوضع الراهن للمؤسسة المستهدفة، واستيعاب مختلف جوانبه. وهي بذلك تستكشف مكامن القوة في المؤسسة من أجل الاستفادة منها، ومواطن الضعف فيها من أجل العمل على معالجتها. وتتضمن مواطن الضعف بعض المشكلات التي تعاني البيروقراطية منها. ومن أمثلة ذلك المسارات والتحويلات غير الضرورية في إجراءات العمل، والأنظمة المتراكمة التي تعيق الارتقاء بمستويات الأداء، والقصور المحتمل في التعامل مع الحالات الخاصة أو الطارئة، ومشكلات المرونة المطلوبة للتكيف مع المتغيرات، ومدى رضى العاملين والمتعاملين مع المؤسسة، وغير ذلك من مواطن الضعف التي تقف وراء تعثر البيروقراطية.
بعد فهم الوضع الراهن تتوجه الهندرة نحو إعادة تصميم عمل المؤسسة من جديد بما يؤدي إلى استغلال مكامن القوة ومعالجة مواطن الضعف، ثم تطبيق هذا التصميم الجديد، وإعادة إطلاق المؤسسة ليس فقط بثوب براق جديد، بل أيضا بقوة مضافة تتخلص من ترهل البيروقراطية وقصورها وتعثرها. لكن ذلك على الرغم من الإيجابيات التي يقدمها ليس كافيا. فلا بد من إعادة الهندرة دوريا لإزالة الشوائب من الأنظمة والممارسات المستجدة خلال الفترات الفاصلة بين هندرة وأخرى، فالأنظمة المتجددة في أعمال المؤسسات تحتاج إلى إعادة نظر بعد فترة من تطبيقها لاختبار مستوى أدائها وأثرها في التطوير نحو الأفضل. والمتوقع أن تكون الهندرة الأولى الأكثر تعقيدا لأنها تواجه مشكلات سابقة طويلة المدى، أما الهندرات الدورية بعد ذلك فتواجه مهمات أقل تعقيدا.
ولا شك أن تقنيات العالم السيبراني تقدم وسائط متميزة للهندرة تمكنها من تحقيق أداء غير مسبوق للمؤسسات المستهدفة سواء في عملها الداخلي أو في تعاملاتها الخارجية. ولا بد في هذا العصر الرقمي من استخدام هذه الوسائط وتحقيق التحول الرقمي، خصوصا بعد الفوائد التي قدمها هذا التحول في مواجهة فيروس كورونا الخبيث. وهناك في هذا المجال ملاحظتان مهمتان ينبغي طرحهما هنا.
تحمل الملاحظة الأولى دعوة المؤسسات إلى الهندرة قبل التحول الرقمي، فالتحول الرقمي من دون الهندرة يعيد استنبات البيروقراطية، ربما بوجه أقل تعقيدا. ويضاف إلى ذلك أنه لا بد في هندرة المؤسسات في العصر الرقمي من إعادة تصميم إدارتها على أساس الإمكانات التي يطرحها العالم السيبراني، من أجل الاستفادة من معطياته المشهودة بالمستوى المنشود. فإن تم التحول دون الهندرة، فهذا لا يعني الإبقاء على الوضع القائم، بل لا بد من إعادة النظر، وتبني الهندرة الدورية من أجل الاستفادة من إمكانات العالم السيبراني وفوائده الكثيرة التي طرحناها للنقاش في مقالات سابقة.
وننتقل إلى الملاحظة الثانية التي ترتبط بعقلية استخدام الإمكانات المتاحة من التحول الرقمي، حيث نرى في بعض الأحيان عقلية البيروقراطية تطل من المؤسسات التي نفذت بالفعل تحولا رقميا رائدا. ومثال ذلك أن تطلب مثل هذه المؤسسات من العاملين فيها أو المتعاملين معها معلومات رئيسة مطولة في كل مرة يجري فيها تنفيذ إجراء أو عملية معها، وذلك على الرغم من توافر هذه المعلومات لدى الأنظمة الرقمية في المؤسسة، ما يؤدي إلى تعطيل العمل، والحد من مستوى الأداء. وعلى ذلك تحتاج مثل هذه المؤسسات إلى إعادة النظر في بعض إجراءاتها لعدم الحاجة إليها في ظل التحول الرقمي.
لا شك أن المملكة حققت تميزا في تطوير الإدارة وتفعيل التحول الرقمي، وهناك أدلة ساطعة على ذلك، مثل نظامي "أبشر" و"توكلنا" المشهودين. وتختلف المؤسسات في القطاعات المختلفة الحكومية منها والخاصة في درجة تطور إدارتها ومستوى تحولها الرقمي وعقلية الاستفادة من هذا التحول. لكن مسيرة التطوير في هذا المجال مستمرة، وتلقى اندفاعا وتسارعا. ولا بد من تفعيل ثقافة الابتكار في الاستجابة للمتغيرات، خصوصا مع التوسع في معطيات التقنية الرقمية وتطبيقاتها، وانطلاق إمكانات الذكاء الاصطناعي نحو آفاق متجددة.