17 سنة مرت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ودّع سعد الحريري الحياة السياسية، وقرأ الفاتحة على ضريح والده والى جانبه نايلة تويني ابنة شهيد الحرية والكلمة والقلم الآخر جبران تويني، وكانت هتافات مناصري سعد يحيون زعيمهم بالإصرار على عودته.
إنه مشهد يعيدنا الى مأساة لبنان وسوريا، ومعاناة الشعبين من نظام سوري بقي بحماية "حزب الله" وإيران وفلاديمير بوتين، وهو على وشك العودة الى الجامعة العربية. وكيف يمكن قبول بقاء رئيس سوري فتك بنصف شعبه الذي كان يطالب بالحرية، وهجّر نصفه الآخر، وحمّل لبنان المزيد من العبء بلاجئين بريئين فروا من قنابله وقصفه الكيماوي، فيما يتم الضغط على سعد الحريري للخروج من السياسة في بلده؟
عجيب عالمنا العربي الذي ينسى أن نظام الأسد الوالد والابن هو مؤسس لـ"حزب الله" وحليفه الأكبر هو إيران، ومأساة لبنان والفساد المتفشي فيه لا يمكن تفريقهما عما يحدث في سوريا. كان رفيق الحريري يردد للرئيس حافظ الأسد أن انتعاش لبنان هو لمصلحة سوريا، وهذا ما كرره مرات عدة الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك للأسد الوالد كلما التقاه أو وجّه له رسالة. ولكن الأسد الابن رأى العكس، أن خراب لبنان وخراب سوريا مسعى واحد، ولم يبال بالمقاطعة الدولية ما دام القيصر الروسي فلاديمير بوتين قد هرول لحمايته، وهو الآن يطمح للسيطرة على أوروبا.
فالهيمنة الروسية في سوريا فتحت لبوتين أبواباً عدة، كونه يحلم الآن باستعادة دول أوروبا الشرقية التي كانت في الاتحاد السوفياتي، وهو مرتاح الى بقاء بشار الأسد، ولو أنه لا يجد أحداً مستعداً حالياً لإعادة إعمار ما دمراه معاً. إن ترك لبنان في معاناة مأسوية في ظل وضع اقتصادي واجتماعي يائس يدفع شبابه الى الهجرة، سيولّد الكثير من الغضب والاستياء والشعور بالظلم، خصوصاً مع بقاء نظام سوري سيسامح على كل ما ارتكبه من دمار وقتل وإرهاب وينفد من دون محاسبة.
إذا عاد نظام بشار الأسد الى الجامعة العربية فكيف ينسى لبنان لائحة شهدائه من خيرة الصحافيين والنواب والمسؤولين الذين سقطوا واحداً تلو الآخر، لأنهم رفضوا نفوذ بشار الأسد وحليفه اللبناني على الأرض "حزب الله"، الوكيل الإيراني لتخريب المنطقة بأسرها؟ فلا يمكن إلا أن ينتاب اللبناني الحزن عندما يفكر أن بشار الأسد ينظر بسرور، بعد كل ما قام به في لبنان ثم في سوريا، الى أنه باق بحماية إيران و"حزب الله" والروس، ولبنان ذاهب باتجاه جهنم. عندما قال بشار الأسد لرفيق الحريري إما أن تمدد لإميل لحود أو أنني سأدمّر لبنان على رأسك وعلى رأس جاك شيراك، التزم فعلاً تدمير لبنان ولو أن رفيق الحريري مدد لإميل لحود. صحيح أن دماء رفيق الحريري أخرجت جيش بشار الأسد من لبنان، ولكن الأسد استطاع مع "حزب الله" وحلفائه أن يكمل مسيرة تدمير البلد.
ومشهد سعد الحريري يقرأ الفاتحة مع عائلته مودعاً مناصريه بالتحية، وإلى جانبه نايلة تويني، يعيد إلينا كل ما حدث من جرائم واغتيالات في لبنان، آخرها انفجار المرفأ الذي أدى الى سقوط أكثر من 200 ضحية، وتدمير العائلات والمعنويات والمنازل، وكلها بقيت من دون كشف الحقائق. ألا يدعو ذلك الى التشاؤم واعتبار أن العدالة المحلية والدولية وهم؟













التعليقات