قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الصدمات تتكرر بعد نشوة الإحتفال بانتقال الأكثرية النيابية من "محور الممانعة" الى "نوادي" السيادة والتغيير. والظاهر أن محنة لبنان أكبر من الذين صنعوها وعاشوا عليها، ومن الذين تصوروا أنهم قادرون على إنهائها. فليس بعد الإنتخابات النيابية سوى ما كان قبلها: إستمرار الدوران في حلقة مفرغة. حلقة الإنهيار المالي والإقتصادي والسياسي الذي تديره وتحرسه المافيا المتسلطة. وحلقة العجز عن إخراج المافيا من السلطة بأوسع إنتفاضة شعبية سلمية، وعن فرض الحد الأدنى من الإصلاحات لوقف الإنهيار بقوة الطرف المتمسك بالسيادة والتغيير، وطبعاً بقوة الأزمة وتأثر الجميع بها، وقوة الدعوات العربية والدولية الى الإصلاح والتعافي. فالتغيير، ولو كبداية، كان في اليد، في "مطبخ" المجلس النيابي ثم في رئاسة الحكومة، لكنه طار. ولا فرق، سواء كان السبب هو الحسابات السياسية الباردة للمراحل المقبلة أو تشتت المواقف لدى القوى السيادية التغييرية، أو إدمان الخسارة والفشل.

والسؤال هو: ما جدوى الإنتخابات النيابية إذا كان ما يحدث فيها من تغيير لا يغير شيئاً حتى في السلطة الشكلية؟ ماذا يعني أن ينحصر البحث عن مرشحين لتأليف الحكومة من خارج النواب في نظام ديمقراطي برلماني، وأن إعادة "تكليف" الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة ليست ضماناً للتأليف، وأنه لا حكومة ولا إنتخابات رئاسية؟ أليس أننا تجاوزنا مرحلة الدولة الفاشلة الى مرحلة إنعدام الدولة؟ وإذا كان عنوان اللعبة الديمقراطية حالياً هو أنه لا شيء ممكناً مع تحالف العهد و"حزب الله"، فما الذي يتغير بعد نهاية العهد؟ ماذا لو تكرر الخيار أمامنا: إما رئيس من المحور الإيراني وإما الفراغ الرئاسي؟

الأزمة أفضل من الحل السيئ، كما يقال في دروس العلوم السياسية. لكن الأسوأ من الحل السيئ هو تضييع الحل الممكن في انتظار الحل المثالي. فالكمال عدو الجيد، حسب المثل الأميركي. والمتاح لنا، إذا عرفنا كيف نوظف التغيير الإنتخابي في اللعبة السياسية، ليس الكمال ولا الجيد بل الأقل سوءاً في انتظار ظروف أفضل.

والضاغط ليس مجرد الواجب الوطني الذي من دونه لا معنى للعمل السياسي بمقدار ما هو إعطاء اللبنانيين المخنوقين فرصة للتنفس وبقاء الرأس فوق سطح المياه العميقة في الأزمات. ذلك أن أغرب ما صار من عاداتنا في العمل السياسي هو انتظار كل التطورات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة والعالم لكي نعرف أية حكومة نؤلف وأي رئيس ننتخب. والأغرب هو أن تصبح المشكلة في حال: فالج لا تعالج، لأن الطريق الى الحل والتعافي واضح ومعروف. فالمافيا لا ترتاح إلا في الغموض، كما لا ينبت الفطر إلا في الظلام. كان الرئيس ميتران يقول: "الأنظمة الإستبدادية تجد في كل أزمة مذنباً، لكنها لا تجد حلاً". أما نحن الذين لسنا في نظام إستبدادي ولا ديمقراطي، فإننا لم نجد في أزماتنا العميقة لا مذنباً ولا حلاً".