قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم ينل الإلحاد من الدين بقدر ما نال الدين من الدين، فبينما بقيت الحملات المعادية للدين من خارجه محدودة التأثير والأثر، تكفلّت حملات المتطرفين بالقدر الأكبر من الإساءة والتخريب. إن التطرف هو الدافع الأكبر لموجة التشكيك في الدين التي تصاعدت في السنوات الأخيرة، ومع كل موجة من التطرف، وكل جيل من الجماعات والتنظيمات، وكل مساحة يحتلها الإرهابيون في الحياة أو في العقل، تصعد الموجة الأخرى بالمقابل. يبدو الأمر وكأنه تطبيقٌ للقانون الثالث لنيوتين: «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه».

إن ما ارتكبته جماعات الإسلام السياسي، والتي تمتد وصولاً إلى داعش وبوكوحرام.. قد فاقم من ظاهرة الإسلاموفوبيا من جهة، ومن موجة الحرب على الإيمان من جهة أخرى. بالمقابل.. فلقد كان التطرف العلماني هو الآخر عامل إساءة لمشروع الحداثة، وعامل تعطيل للنهضة العربية، إذْ أدى الاشتباك العدمي بين متطرفي الجانبيْن إلى تسرُّب الحكمة وضياع الهدف، بعد أن غطى ضجيج العراك على معالم الطريق.

في خريف عام 1996 أجرى الكاتب هاشم صالح حواراً مع الفيلسوف الجزائري محمد أركون، وكان من بين ما قاله أركون: «لقد تجاهلتْ الجماعات المتطرفة البعد الروحي في الدين، وركزت على البعد الإيديولوجي العنيف.. تم تشويه الدين باسم الدين، وتشويه العقل باسم العقل، لذا لابد من تطهيرهما معاً».

من المفارقات المثيرة في هذا الصدد أن عدداً كبيراً من العلمانيين المتطرفين لم يطالعوا علوم الحداثة وآدابها، ولم يزد إطلاعهم على تجربة الغرب عن بضع قشور ومنمنمات، وعدد من العناوين العامة لرموز الحداثة ذائعي الصيت. لم تأخذ علوم الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات، كما لم تأخذ فلسفة العلم، أو حالة المعرفة.. الاهتمام الكافي من قبل ذلك التيار.

لم تأخذ علوم الاقتصاد والقانون والإدارة هي الأخرى اهتماماً يذكر.. بعد أن انصبَّ جُلّ أهدافهم على السطح الدعائي للغرب. لقد انبهروا حين كان يجب أن يصمدوا، وغفلوا حين كان يجب أن يستيقظوا. المتطرفون دينياً أبعد ما يكونون عن المعرفة الدينية الحقّة، ولقد أصبح مشروعهم هو الدفع بهذه الأمة إلى طريق الجهل والفقر، وإلقاء مستقبل ملياريْ إنسان في بحر الظلمات.

إنّ من يتأمل خُطب قادة التطرف لن يجد سوى كلمات بائسة حول جهاد الطواغيت والحرب على أعداء الإسلام، وتعبئة أحواض عملاقة من الدماء على طريق الشريعة والخلافة. لن يجد المرء شيئاً ذا قيمة من الناحية الفكرية. لا علم ولا قراءة ولا معرفة، الكلمات ذاتها يعاد تركيبها فعلاً وفاعلاً.. مبتدأً وخبراً.

لا شيء عميق ولا شيء جاد، مجرد بيان قتال لا يعبِّر سوى عن زوال القلب، وإلغاء العقل. غاية القول: التطرف الديني والتطرف العلماني وجهان لعملةٍ واحدة.. يجب إنقاذ الدين من أدعياء الدين وإنقاذ العقل من أدعياء العقل.

* كاتب مصري