قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لن يكون في الإمكان احتواء الضرر الذي ألحقته زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتايوان، بالعلاقات الصينية - الأميركية في المدى المنظور.

عززت الزيارة، تصاعد النشاط العسكري للصين، من جهة، وللولايات المتحدة وحلفائها، من جهة ثانية، في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. وكلما زادت التحركات العسكرية المتقابلة، كانت فرص اندلاع نزاع مسلح أكبر.

وبعد الزيارة، اتسعت فجوة عدم الثقة بين أميركا والصين. وصار من المشكوك فيه انعقاد قمة مباشرة بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جينبينغ، وفق ما تسرب من الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الزعيمين قبل يومين من هبوط طائرة بيلوسي في تايوان.

أضف إلى ذلك، أن بكين سارعت إلى وقف الاتصالات بين المسؤولين العسكريين الكبار من البلدين، وكذلك وقف العمل بعدد من اتفاقات التعاون الثنائي وبينها المجال البيئي، ناهيك بالضرر الذي تسببت به الزيارة الى تايوان نفسها، التي ستكون من الآن فصاعداً تحت رقابة صينية أكثر صرامة، خصوصاً في المجال العسكري، بينما سيجري التضييق اقتصادياً من بكين على الجزيرة التي تعتمد بشكل رئيسي في تعاملاتها التجارية على البر الصيني.

قد تكون بيلوسي تحدت التهديدات الصينية التي حذرت من الزيارة. وهذا انتصار آني لرئيسة مجلس النواب الأميركي، بينما ذيوله السلبية ستبقى تتردد لسنوات في أعماق المحيطين الهادئ والهندي.

وفي وقت كانت إدارة بايدن تضغط على الصين كي لا تقدم مساعدة مباشرة لروسيا تعينها على الالتفاف حول العقوبات الدولية التي فرضت عليها بسبب الحرب في أوكرانيا، فإن واشنطن عززت من غير قصد، من العلاقات الصينية - الروسية، ومن "الشراكة بلا حدود" التي كان أعلن عنها شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوائل شباط (فبراير) الماضي، أي قبل أسابيع فقط من اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

وبعد اندلاع الحرب، أطلقت واشنطن تحذيرات متتالية للصين، كي لا تساند روسيا وتفسد العقوبات الغربية غير المسبوقة على الكرملين.

أما بعد إثارة المسألة التايوانية بهذه الحدة، فإن إدارة بايدن التي تستفظع رد الفعل الصيني على زيارة بيلوسي، لن يكون في إمكانها ضبط الحدود في العلاقات الصينية - الروسية.

وها هي واشنطن تجد نفسها تحارب على جبهتين في الوقت نفسه: الجبهة الأوروبية ضد روسيا والجبهة الآسيوية ضد الصين. ومهما كانت إمكانات الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية كبيرة، فإن اضطرارها للدفاع عن هجوم صيني محتمل ضد تايوان، وانخراطها في تقديم دعم عسكري واقتصادي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، ينهك أميركا ويدخل العالم في مرحلة جيوسياسية جديدة.

تقول بيلوسي إنها من خلال زيارتها أظهرت التزام أميركا القوي حيال تايوان. إلا أنها في واقع الأمر أدخلت العلاقات الأميركية - الصينية في مأزق يصعب الخروج منه قريباً.

والصين هي أقرب إلى روسيا اليوم مما كانت عليه قبل زيارة بيلوسي، وثبت أن شي جينبينغ كان ذا نظرة ثاقبة عندما اختار التعاون مع روسيا منذ توليه زعامة الصين قبل أكثر من عقد من الزمن.

وكان هذا الرد الصيني الاستراتيجي على عقيدة الأمن القومي الأميركي التي تركز منذ عقدين على أن الصين هي التهديد الأكبر الناشئ للولايات المتحدة، وأنه يتعين العمل على احتوائها، على غرار سياسة الاحتواء في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق عقب الحرب العالمية الثانية.

تدافع أميركا اليوم عن زعامتها للأحادية القطبية التي نشأت عن تفكك الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من 30 عاماً. وهي من أجل ذلك تنخرط في مواجهتين مع روسيا والصين، أملاً في سيادة الولايات على العالم لمدة قرن مقبل.

وفي المقابل، تجد روسيا والصين أن قبضة أميركا على العالم هي في مرحلة انحدار، وأن الولايات المتحدة اليوم هي غيرها قبل ثلاثة عقود.