قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

"سيستمر التضخم في الارتفاع وسيظل فوق هدفنا لبعض الوقت"

كريستين لاجارد، رئيس البنك المركزي الأوروبي

في أوروبا، المخاوف الكبرى حيال الوضع الاقتصادي والمعيشي، آتية من مستويات التضخم التي يبدو أنها لن تقف عند حدود معينة قبل نهاية العام الجاري، وبالطبع الطاقة التي تسببت في رعب متصاعد في الأوساط السياسية، لا أحد يستطيع أن يحدد آفاقه. ورغم كل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها حكومات الاتحاد الأوروبية، بقيت الأوضاع الاقتصادية رهينة مجموعة. بعضها ظهر بفعل الحرب الدائرة في أوكرانيا، وهي الأخطر على القارة منذ الحرب العالمية الثانية، وبعضها الآخر مرتبط بثغرات في الاستراتيجية الأوروبية الاقتصادية ككل، ولا سيما من الجانب الخاص بالطاقة وإمداداتها، واعتماد هذا التكتل الهائل حجما وقيمة، على مصادر محدودة، دون وجود ضمانات على استدامتها بفعل سواء مواجهات عسكرية محتملة أو خلافات سياسية واردة جدا. الاتحاد الأوروبي "كما بقية الغرب" رغب في مصادر رخيصة، أكثر منها آمنة.
وفي كل الأحوال، يبقى الخوف الأكبر من اضطرار المفوضية الأوروبية في مرحلة ما من هذا العام، لإعلان حالة الركود، التي تخشى منها أي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تصر إدارة رئيسها جو بايدن، على أن اقتصاد البلاد لا يزال في مرحلة تباطؤ. يبدو واضحا أن الخطوة التاريخية التي أقدم عليها البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة نصف نقطة لأول مرة منذ أكثر من 11 عاما، لم تؤثر في مسار اقتصاد اليورو. فالتضخم يراوح حاليا حول 10 في المائة، وهو في أعلى مستوى له منذ 1999، وقبل عامين فقط من إطلاق العملة الأوروبية الموحدة. صحيح أن الموجة التضخمية لم تقف عند حدود دولة معينة، لكن ضغوطها تختلف من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.
المشكلة التي تواجه أوروبا أيضا، هي أن هذه القارة ليست حتى عند مفترق طرق، بل لا تزال بعيدة عن نقطة توزع الاتجاهات. فالحرب المتفاعلة على الساحة الأوكرانية، باتت تؤثر بقوة في المؤشرات الاقتصادية لمنطقة اليورو تحديدا، ليس فقط من جهة مشكلات إمدادات الطاقة، لكن من ناحية الثقة باقتصاد المنطقة ككل أيضا. وهذا أمر وارد دائما عندما تكون الحرب "أي حرب" مستعرة، دون وجود آفاق لحلول سياسية سريعة لها. بل كل المؤشرات تدل على أنها قد تستمر أعواما، ولا سيما إذا ما تعمقت أكثر مشاعر العداء بين الطرفين، وباتت احتمالات الحلول السياسية شبه مستحيلة. من هنا، يمكن رؤية المخاوف من ركود يقترب إلى الساحة، مع عزم المشرعين الأوروبيين على مواصلة رفع الفائدة للسيطرة على التضخم.
لا مجال للحديث عن النمو في منطقة اليورو، ولا حتى في بلد خارج للتو من الاتحاد الأوروبي كبريطانيا. فالتضخم في الدول التي تعتمد اليورو كعملة لها، وعددها 19، بلغ 8.6 في المائة، في حين وصل في الاتحاد الأوروبي على أساس سنوي إلى 9.6 في المائة. ورغم أن قرارات رفع الفائدة في المستقبل ستكون وفقا للمعطيات، إلا أن الواقع يؤكد حقيقة أنه لا مساحة أمام المشرعين الأوروبيين إلا مواصلة زيادة الفائدة. فهذه الأداة هي الوحيدة المتوافرة أمام الأوروبيين وغيرهم لكبح جماح تضخم لم يحدث منذ أكثر من عقدين. يضاف إلى ذلك أن التوجهات الأمريكية في رفع الفائدة على الدولار تمضي قدما، الأمر الذي سيضغط على البنك المركزي الأوروبي من أجل مواكبة المشهد المالي العام، ولا سيما بعدما اقتربت قيمة اليورو بالعملة الأمريكية إلى درجة التساوي في الآونة الأخيرة.
وبصرف النظر عن الهوامش التي سيتحرك ضمنها "المركزي الأوروبي" على صعيد الفائدة، ليس أمامه سوى مواكبة المسار العام، ويعترف بأن النمو الهم الرئيس. نسبة التضخم المستهدف في الاتحاد الأوروبي عموما هي ذاتها في الولايات المتحدة وبريطانيا عند 2 في المائة، بينما هي في حدود 10 في المائة. وجلب التضخم إلى المستوى المحدد له، لا يمكن أن يتم في فترة زمنية قصيرة، كما أنه يتطلب عوامل مساعدة أخرى إلى جانب الفائدة المرتفعة. وستضطر حكومات الأوروبيين إلى مواصلة توفير الدعم المالي للأسر المحتاجة، مع ارتفاع عديد المنضمين إلى شرائح الفقراء في القارة الأوروبية الغنية. وداعا لسياسة الفائدة السلبية أو الصفرية التي كان يتبعها المشرعون الأوروبيون لنحو عقدين، ووداعا أيضا لمسار نمو مضمون في المستقبل القريب.
الهم الرئيس في الاتحاد الأوروبي ككل الآن، يبقى المحافظة على التضخم في حدود منخفضة بصرف النظر عن مستواها، وعدم خروج الحرب في أوكرانيا عن السيطرة، وتأمين أفضل لإمدادات الطاقة في الأسابيع المقبلة عندما يعود فضل الشتاء البارد وتزداد وتيرة استهلاك الطاقة بأنواعها، ووضع تشريعات إلزامية تتخذ عادة في أوقات الحروب، كالتقنين في مجالات محورية رئيسة. المسؤولون في المفوضية الأوروبية "مثلا" يفكرون في فرض خفض على الدول الأعضاء في التكتل في مجال استهلاك الوقود 15 في المائة، علما بأن هذا الخفض لا يزال طوعيا في الوقت الراهن. ما يعني أن الأمور لن تمضي بصورة سلسة، على الأقل في الأعوام القليلة المقبلة.