قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ قال عميد الأدب العربي صاحب البصيرة الثاقبة طه حسين «التعليم للناس جميعاً كالماء والهواء» ونحن نتداول المقولة وأغلبنا يضعها صوب عينيه، لكن واقع الحال التعليمي يشير إلى أن الماء والهواء في أزمة.

في 8 سبتمبر (أيلول) الماضي احتفل العالم باليوم الدولي لمحو الأمية. وعلى الرغم من التقدم الكبير المتحقق في الكثير من الدول العربية والتي باتت نسب الأمية فيها لا تتعدى خانة العشرات، إلا أن بعض النسب والحقائق تدعو إلى القلق. نسبة معرفة القراءة والكتابة في العالم العربي تبلغ 73 في المئة (وهي نسبة سيئة لكن ليست سيئة جداً حيث جنوب آسيا تأتي بعدنا في الترتيب). لكن هذه النسبة (73 في المئة) تضم كلاً من الدول التي حققت ما يقترب من أمية صفر، وغيرها من الدول التي مازالت ترزح تحت نسب أمية بالغة الارتفاع.

وتجدر الإشارة هنا إلى إننا لا نتحدث عن الأمية الرقمية، بل الأمية الأبجدية، وهذه مأساة! والمؤسف أن المنطقة العربية كانت حتى سنوات قليلة مضت تسير بخطى جيدة على طريق مواجهة الأمية، إلا أن أحداثاً وحوادث عدة قلبت الموازين في عدد من الدول.

أبرز هذه الحوادث الآثار الجانبية لما يسمى بـ«الربيع العربي» والذي خلّف قلاقل سياسية في دول عدة ما أضعف مبدأ التعليم الإلزامي الذي يحتاج قبضة قانونية بالإضافة إلى جهود توعية مستمرة للتأكد من أن الأهل يرسلون صغارهم إلى المدارس.

كما خلفت آثار ما سمي بـ«الربيع» صراعات مسلحة وفوضى عارمة في دول أخرى حرمت ملايين الصغار من التعليم، سواء من بقوا في الداخل أم من اضطروا للنزوح. وأتت جائحة كورونا لتمثل عائقاً إضافياً ولكن، ما زال الأمل يلوح في الأفق.

الأفق يخبرنا أن المواجهة ليست مع الأمية فقط، بل مع «فقر التعلم» كذلك. والمقصود بذلك هو الأطفال في سن العاشرة والذين قد يكونون ملتحقين بالمدارس، ولكن يعجزون عن قراءة قصة بسيطة وفهمها.

فقر التعليم يندرج تحت مظلة جودة التعليم. دراسات عدة في دول عربية تخبرنا أن طلاباً وخريجي مدارس ثانوية يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة، ورغم ذلك يلتحق هؤلاء بالجامعات ويحصلون على شهادات ويلتحقون أو يحاولون الالتحاق بسوق العمل. وهنا تتجسد المعضلة الكبرى. خريج جامعي توصف قدراته اللغوية وغيرها بالضعف الشديد. والمثير هو أن الأمية الرقمية قلصت من فداحة الأمية الأبجدية، فجعلت ممن يتقن قواعد الشاشات الرقمية وتقنياتها «متعلماً» دون شرط محو أميته الأبجدية.

وفي خضم كل ذلك، تواجه دول عدة في العالم العربي مشكلة أخرى تكمن في هجرة الأدمغة أو ما يسمى بـ«نزيف الأدمغة». ورغم إنه نزيف ساكن لا يحدث جلبة، إلا أنه يحدث أكبر الضرر لمحيط «النزيف».

عقود طويلة وجانب من خيرة الأدمغة العربية لا تجد من أو ما يسمح لها بترجمة هذا النبوغ وهذه المواهب كل في مجاله إلى عمل يخدم مجتمعها وينهض بها وفي الوقت نفسه يحقق لها ما تهفو إليه كل نفس بشرية، ألا وهو حصولها على نصيبها العادل من الاعتراف بقيمتها ومكانتها العلمية والعملية.

واقع الحال في دول عربية عدة يشير إلى أن الظروف إما لا تسمح لهؤلاء النوابغ المتميزين بترجمة قدراتهم إلى عمل حيث بيئة العمل طاردة للمواهب، أو لأن أحداً لا يلتفت لقدراتهم الكامنة. وفي كلتا الحالتين يكون الإحباط رفيقهم.

لذلك يأتي الإعلان الصادر عن «مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» قبل أيام تحت عنوان «نوابغ العرب» أشبه بنسمة هواء عليلة تبث أملاً متجدداً في هذه العقول النابغة المتفردة، وربما تقينا شرور هجرتها بحثاً عن تحقيق الذات.

المؤكد أن كلمات وزير شؤون مجلس الوزراء الإماراتي محمد عبدالله القرقاوي عن «منظومة كاملة هدفها اكتشاف النوابغ والمواهب في الدول العربية بغرض تعظيم أثرهم وإسهاماتهم العلمية ومشروعاتهم في المجتمعات العربية» وصلت قلوب وعقول هؤلاء النوابغ والمواهب في منطقتنا. فهذا الاكتشاف، ومن ثم تسليط الضوء على من يستحقون من شأنه أن يعاود بث الأمل في الكثير من النفوس المحبطة، لا سيما من الشباب والشابات.

الفروع المختلفة التي تم الإعلان عنها تعني أن طيفاً كبيراً من الشباب العربي مرشح لـ«نوبل البقاء في مجتمعه» وبلده ومنطقته، لعله يفيدها كما أفادته، حتى وإن أحبطته رغماً عنها. المجالات القابلة للترشح هي العلوم الطبيعية، والطب، والأدب والفنون، والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا، والعمارة والتصميم، وهي العلوم التي تبني المجتمعات وتضمن استدامة هذا البناء.

الجائزة المالية الضخمة المرصودة لكل فرع بالغة الأهمية. فالعباقرة والنابغون أيضاً يحتاجون المال. لكن حاجتهم للتقدير والضوء والعرفان والدعم تبقيهم ذخراً لبلدانهم ومنطقتهم.