اللبنانيون مولعون بالمغامرة وبالمقامرة، يريدون الربح السريع والهيّن. يقامرون ويغامرون وفي الغالب يخسرون، كما يفعل كل المقامرين في العالم. لا مقامر يربح في النهاية، فكل الألعاب مبرمجة بدقة ليربح في النهاية من يديرون اللعبة من مافيات وعصابات منظمة وبيزنس تقوده قوى متجذرة.

لكن رويداً، ليس المقصود بمقامرة اللبنانيين لعبهم القمار في الكازينوات وغيرها، فهذا شأن أشخاص يستهويهم هذا النوع من الترفيه والتحدي والمنافسة، وربما الأمل بغنى غير متوقع.

في تسعينات القرن الماضي، وفي العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، وقبل أن ينقلب البلد رأساً على عقب ثم ينهار كلياً، ساد في الإعلام اللبناني نمط اجتماعي ثقافي عكس ميل الناس إلى الربح السريع من دون بذل أي جهد، اللهم إلا الاتصال بمحطة تلفزيونية وقول أي شيء، أي كلام، ليربح المتصل هدية فورية هي غالباً دعوة إلى عشاء في مطعم أو قسيمة زيارة مركز تجميل نسائي، أو مئة دولار، ليصل الأدرينالين إلى مستويات أعلى مع برامج التحدي والمسابقات التي تصل جوائزها إلى سيارة أو شقة سكنية حتى، في سباق محموم بين المحطات التلفزيونية لكسب المشاهدين بالمفرق وبيعهم بالجملة لشركات الإعلان المزدهرة آنذاك، كجزء من الازدهار الموقت والخادع للبلد.

المشترك بين النموذجين - المقامرة وبرامح الربح - هو الحظ. يراهن اللبنانيون على الحظ. يلعب الحظ دوراً حيوياً في حياتهم، فهذا وجد وظيفة لأنه محظوظ، وذاك ربحت تجارته لأنه محظوظ، وذلك هاجر وضحك الحظ له. الحظ عند اللبنانيين قبل الجهد والكفاءة ووجود الفرصة، وهو ملازم للواسطة. أنت تملك واسطة فأنت محظوظ وستصل. أما معدوم الحظ "فلا يتعب ولا يشقى".

يلعب اللبنانيون "صولد" في مقامرتهم، يذهبون إلى الآخر، فإما كل شيء أو لا شيء، يستنجدون بالحظ ويغلّبونه على الجهد، يفضّلون السرعة القصوى. الأرنب هو مثالهم، يكرهون السلحفاة. النمل أيضاً مثال سيئ.

عند هذا الحد يبدو الأمر حالة "طبيعية" مرتبطة بسياق التطور الاجتماعي والتفاعل مع العالم الخارجي، في ظل فورة الميديا الحديثة وشيوع ثقافة الصورة السريعة المبهرة مكان ثقافة الكلمة والكتاب.

لكن اللبنانيين يقامرون بأشياء أخرى تدخل في صميم حياتهم اليومية ومستقبلهم الشخصي ومستقبل أولادهم وبلدهم. كل خياراتهم فيها شيء من المقامرة، من أدنى انتخابات إلى أعلاها، يقامرون في الانتخابات البلدية والاختيارية والنقابية والنيابية والرئاسية ثم يتلون فعل الندامة وينقلبون. يراهنون على أشخاص كانوا على الأرجح يعرفون ماضيهم وعدم قدرتهم، ومع ذلك يولونهم ثقتهم. يقدمون إلى الإدارة والمناصب فاشلين في تحصيلهم ومشكوكاً في مناقبيتهم، ثم يشكون من سوء الإدارة وتخلّف بنى الدولة وخدماتها.

عندما يختار شعب ما لحكمه من هم غير جديرين وغير مؤهلين فيما البلد يزخر بأعلى الكفاءات وأكثرها تميزاً على المستويات العلمية والأخلاقية، فإنه يقامر بمصيره، وإلا فما معنى أن يكون على رأس أجهزة الدولة ومؤسساتها فاشلون متهمون بشتى أنواع التهم التي تطال أخلاقهم قبل إمكاناتهم المحدودة، وما معنى أن ينتخب الشعب طبقة سياسية يتهمها هو نفسه بالفساد والعجز؟ وما معنى أن ينتخب الشعب نواباً ينفضح أمر عجزهم وعقمهم وهزال تفكيرهم عند أول محك يواجهونه في البرلمان، وهو محك مصيري يتعلق بانتخاب رئيس للبلاد؟

تكشف الأيام الأخيرة وتطورات الوضع السياسي في ما يتعلق بتشكيل حكومة جديدة تقود البلد في أدق مرحلة يمر بها، والولدنة والعناد واقتناص الفرصة لتحقيق مكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة، وكذلك بانتخاب رئيس بدل المنتهية ولايته بعد أيام، أن كل هذه الطبقة السياسية محكومة برهانات داخلية وخارجية، مجهولة ومعلومة، لها أول وليس لها آخر. إنها المقامرة بالبلد.

يضيع لبنان على طاولات المقامرة، السياسيون كمقامري الغرب الأميركي ومغامريه في أفلام الكاوبوي، كلهم يريدون الربح. يراقبون حركات بعضهم بعضاً بدقة، وحركات العيون، يخرجون الأوراق من أكمام قمصانهم بخفة، وأيديهم جاهزة لسحب المسدسات في أي لحظة. لا ثقة على طاولة القمار، والضربة لمن سبق. ليس مهماً من يخسر حتى لو طبق الفندق على من فيه. هذا قانون المقامرة. لكن أن يصبح الشعب كله مقامراً فتلك والله القاضية.
انهم يقامرون بالبلد ويرهنوننا مقابل حفنة من الدولارات.