قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

على هامش قمة المناخ (كوب27)، جمعني حديث مع أحد المشاركين من بلاد «الجليد»، باغته بسؤال: ما القضية التي تشغل بالك الآن؟

بنصف ابتسامة، أجابني: لا أفكر في شيء سوى وقف الحرب الروسية - الأوكرانية قبل دخول موسم الشتاء، فالموقف بالنسبة لنا سيكون شديد التعقيد، إذا ما استمرت الحرب وسط البرد القارس.

قلت له: لكنَّ هناك أسباباً عدة، تتطلب ـ وبشدة ـ ضرورة إيقاف الحرب، والشتاء واحد من بين هذه الأسباب، قاطعني: لنا في التاريخ دروس وعبر، وحروب الشتاء لها تكلفتها وآثارها السلبية، وتداعياتها الكارثية.

فالشتاء يفرض قواعده وقوانينه في ميادين الحرب، ونحن - أبناء هذه البلاد - عشنا وسمعنا من أجدادنا حكايات حول نفوذ «الشتاء» في حسم المعارك والحروب، سواء الحرب الروسية - الفنلندية، أم الحرب الروسية - الأوكرانية في بداية القرن العشرين، أم في تجربة نابليون بونابرت وهتلر ضد روسيا، لذلك فإن الشتاء صاحب اليد الطولى في حسم خطط ونتائج الحروب، فضلاً عن أنه يفرض تكلفة باهظة، ويصنع مفاجآت في معادلات القوى العسكرية بين أطراف الحروب.

قاطعته: اتفق معك في المفهوم العسكري وسلطة الشتاء للخطط والتكتيكات أثناء الحروب، لكن دعني أضف إليك أيضاً بعض الأسباب الأخرى الضاغطة بضرورة إيقاف الحرب الروسية - الأوكرانية، يأتي في مقدمتها: أن هذه الأزمة تمثل محطة مفصلية في تاريخ معدلات التضخم العالمية.

فقد تجاوز حجم الخسائر جراء الحرب حاجز الـ 12 تريليون دولار من الناتج الإجمالي العالمي، فضلاً عن أن هذه الأزمة بين دولتين تمثلان سلة غذاء العالم، وتتحكمان في 30 في المئة من الأقماح، و18 في المئة من حجم الذرة، وأوكرانيا وحدها تتحكم في 50 % من إنتاج زيت دوار الشمس عالمياً.

وهذه الأزمة لعبت دوراً كبيراً في انسداد شرايين حركة التجارة العالمية، وإحداث خلل في دورة سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي أصاب الاقتصاد العالمي في مقتل، انعكس ذلك بالسلب في مختلف مناحي الحياة، بل بات يهدد استقرار بعض البلدان التي لم تستطع الصمود في مواجهة الأعاصير الناجمة عن هذه الحرب، كما أن هناك معاناة بالغة الخطورة لدى أوروبا، جراء غياب ونقص الطاقة التي باتت تهدد احتياجاتها الحياتية.

بينما كنت استرسل في سرد الأسباب، حاول محدثي أن يقاطعني، مؤكداً كلامي، ومشيراً إلى بعد آخر عسكري، فواصلت كلامي: نعم هذه الأزمة رسخت مفهوماً جديداً لسباق التسلح، وهو مفهوم لا يعتمد على روابط أو قواعد محددة، فقد باتت هناك تهديدات عدة باستخدام السلاح النووي من جميع الأطراف، سواء الجانب الروسي أم جانب حلف الناتو.

ومن ثم صنعت الأزمة خلخلة عسكرية عالمية أربكت حسابات الاستقرار داخل الخرائط العالمية، أضف إلى ذلك، أن هذه الحرب كشفت عن مدى خطورة التوسع في استخدام الطائرات المسيرة، بل باتت تجربة يمكن تكرارها، نظراً لسهولة التسليح بها، واستخدامها في غير الأهداف الصحيحة، كما أن هذه الأسباب وغيرها تفرض على أطراف الحرب ضرورة وسرعة التوقف، فلم تعد شعوب العالم تتحمل مزيداً من التعقيدات الاقتصادية، والتهديدات المباشرة وغير المباشرة للأمن الغذائي.

صافحني محدثي رافعاً شارة التأييد بإصبعه الإبهام، ربت على كتفه ثم ودعته، بينما لم تفارقني مخاوف من القادم المجهول، إذا ما استمرت هذه الحرب التي قصمت ظهر الاقتصاد العالمي، وأثرت سلباً على معظم الحركة الحياتية، خصوصاً أنني واحد من الذين يرون أن خرائط الأمة، خصوصاً الخريطة العربية، لم تكن محظوظة.

فما إن تخلصت مما يسمى بـ «الربيع العربي»، وحكم الجماعة الإرهابية، حتى ارتطمت اقتصادياً بتداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، لكل هذه الأسباب أرى أن وقف الحرب بات أمراً واجباً حتى لا تزداد السماء بالغيوم السوداء.