قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يوم الأربعاء كان علامة قانونية ودستورية تاريخية سياسية انعكست سياسياً في المساءلة الأسبوعية لرئيس الحكومة في مجلس العموم، بقرار المحكمة السامية، العليا دستورياً في بريطانيا (supreme court)، وأيضاً بمظاهرة سياسية أمام «هوليرود» (البرلمان الاسكتلندي)، بعد مؤتمر صحافي لوزيرة اسكتلندا الأولى، نيكولا ستيرجين، اتهمت فيه الحكومة الاتحادية في وستمنستر بمعاداة الديمقراطية برفض منح الاسكتلنديين «تقرير المصير» بالاستقلال عن المملكة المتحدة بعد وحدة أربعة قرون. المحكمة حسمت مسألة «تقرير المصير» بتعريف القوانين الدولية؛ فالشعب الاسكتلندي لا يرزح تحت احتلال عسكري أجنبي، ولديه برلمان ينتخبه بحرية يشكّل حكومة حكم ذاتي مساوية في الحقوق لبقية أمم المملكة المتحدة.

المحكمة استندت إلى قانون 1997، آخر القوانين التي نظمت الحكم الذاتي لاسكتلندا (وإمارة ويلز وآيرلندا الشمالية)، خاصة المادة الثلاثين (التي تستند إليها الزعيمة الاسكتلندية بإمكانية منح البرلمان الاتحادي في وستمنستر، «هوليرود» صلاحية إصدار قانون استفتاء الاستقلال) التي تحرم البرلمان الاسكتلندي من إجراء الاستفتاء منفرداً.

توحّدت مملكتا اسكتلندا وإنجلترا دستورياً بقانون 1707 بعد ربط التاجين في 1603 بحكم جيمس الأول (1566 - 1625)، الوريث الأقرب لإليزابيث الأولى (1533 - 1603). تأخر القانون مائة عام لتوجس الاسكتلنديين من الإنجليز، خشية أن يكون مصيرهم كإمارة ويلز التي ضمها إدوارد الأول (1239 - 1307) ما بين 1277 و1283. قانون توحيد ويلز وإنجلترا في 1536 أخضعها للقوانين الإنجليزية حتى اليوم؛ فالقوانين المدنية والجنائية ونظام القضاء، والسجل العقاري والتجاري، تشير إلى «إنجلترا وويلز». قانون 1707 الذي جعل اسكتلندا الأمة الرابعة التي تتكون منها المملكة (آيرلندا أصبحت تابعة للندن بقانون التاج الآيرلندي 1542، وتقلصت لآيرلندا الشمالية فقط في 1922 بمعاهدة استقلال آيرلندا الجنوبية في 1921)، احتفظ للاسكتلنديين بقوانينهم ونظامهم القضائي، لكن كثيراً منهم ظلوا رافضين للوحدة. وجاء اكتشاف البترول في المياه الاسكتلندية في سبعينات القرن الماضي كدافع للقوميين الاسكتلنديين، كمورد اقتصادي يقلل اعتمادهم على إنجلترا. الحزب «القومي» الاسكتلندي (تأسس 1934) خاض انتخابات خريف 1974 بشعار «كل بترول اسكتلندا» (ليزيد مقاعده في مجلس العموم من 7 إلى 11)، التي كوّن بها «العمال» الحكومة الثانية (1974 - 1979)، ومرروا قانون اسكتلندا 1978 واستفتاء الحكم الذاتي، فصوّت مليون و200 ألف بـ«نعم»؛ أقل من الـ40 في المائة المطلوبة لتفعيله.

أغلبية «العمال» البرلمانية في 1997 (للقوميين الاسكتلنديين 6 مقاعد) ساعدت حكومة توني بلير الأولى (1997 - 2001) في تمرير قانون 1997 بتأسيس برلمانات حكم ذاتي في اسكتلندا، وويلز، وآيرلندا الشمالية، وإبقاء القرارات السيادية الأساسية كالدفاع والسياسة الخارجية، مع البرلمان الاتحادي في وستمنستر. المادة 30 بقانون 1977 صوّت «وستمنستر» بتفعيلها في 2014 (في أثناء حكومة الائتلاف بين «المحافظين» و«الديمقراطيين الأحرار» بزعامة ديفيد كاميرون 2010 - 2015) للاستفتاء على استقلال اسكتلندا، فصوّت الاسكتلنديون (55.3 في المائة مقابل 44.7 في المائة) بالبقاء في المملكة المتحدة.

ستيرجين ومجموعة المهووسين بالانفصال عن الاتحاد يهددون بخوض حزبهم الانتخابات القادمة تحت شعار «الاستفتاء على الاستقلال»، وهي مناورة ماكرة - لأن الزعيمة الاسكتلندية تلوم المحكمة الدستورية والقانون الاتحادي؛ لأنها لا تضمن بعدُ أن يكون استفتاء الاستقلال بـ«نعم» – لكنها أيضاً مقامرة غير مضمونة؛ فالانتخابات البرلمانية ليست استفتاء على أمر واحد بـ«نعم» أو «لا»، بل اختيار مرشحين من أحزاب على برنامج سياسي واقتصادي بغرض تكوين حكومة من حزب الأغلبية؛ فالمرشح المستقل الفردي ظاهرة نادرة في بريطانيا. ولم يُنتخب لبرلمان وستمنستر سوى ثلاثة عشر منهم فقط منذ عام 1950، وبعضهم أسماء متكررة، أما برلمان اسكتلندا ففيه عضو واحد فقط مستقل (من 129 نائباً يتكون منهم البرلمان الاسكتلندي). أحياناً تختار الدائرة نائباً مستقلاً لقضية محلية واحدة، كانتخاب الدكتور ريتشارد تايلور لمجلس العموم عن دائرة واي فوريست (مقاطعة ويريسترشير) مرتين، في 2001 و2005، لحملته لزيادة تمويل المستشفى المحلي، أو كاحتجاج ضد الحزب (غالباً الحاكم) الذي تمرد عليه النائب نفسه، كجورج غالواي في 2005 بـشعار «احترام الناخبين»، (فصله حزب حكومة بلير العمالية؛ لاتهامه لها بتجاهل المعارضة الشعبية لحرب العراق)، ضد المرشحة العمالية أونا كينغ في دائرة بثنال غرين، شرق لندن. الـ14 نائباً «المستقلون» حالياً انتُخبوا لمجلس العموم ضمن أحزابهم، لكنهم انفصلوا أو جمدت زعامة الحزب عضويتهم.

للحزب «القومي» الاسكتلندي 44 مقعداً في «وستمنستر» (من 59 مخصصة لاسكتلندا)، وينقصهم عن الأغلبية مقعدان في «هوليرود» المكوّن من 129 مقعداً (لهم 64 مقعداً، ويشكّلون حكومة بالتحالف مع حزب «الخضر»، ولهم 7 مقاعد).

تهديد الزعيمة الاسكتلندية بخوض الانتخابات القادمة (2026 في اسكتلندا و2024 في البرلمان الاتحادي في وستمنستر) على قضية واحدة (الاستقلال)، مجرد ورقة دعائية ديماغوجية، ونوع من الابتزاز السياسي، يجب أن تكشفها التيارات (الأغلبية على مستوى المملكة المتحدة) التي تقاوم هوس القوميين الاسكتلنديين؛ فهي تدرك أن الناخب، على المستوى الاتحادي أو في اسكتلندا، يصوّت لباقة من الدوافع والحسابات، أهمها الاقتصاد والخدمات والصحة والتعليم.

رئيسة الوزراء السابقة تريزا ماي (2016 - 2019) اتهمت، الأربعاء، زعماء القوميين الاسكتلنديين بتجاهل مصالح ناخبيهم بافتعال خلاف الاستقلال مع «وستمنستر»، لتحويل الأنظار عن إخفاقهم في حل مشكلات اسكتلندا في المجالات كافة.

السيدة ستيرجين تتمتع بمكر سياسي؛ فلن تغامر باستفتاء قبل التأكد من نتائجه؛ ولذا تراهن على برلمان معلق في انتخابات «وستمنستر» 2024، وهو أيضاً ما تراهن عليه التيارات الداعية للعودة إلى الاتحاد الأوروبي – «بريكست» أهم ورقة يلعبها القوميون الاسكتلنديون كسبب للانفصال؛ لأن أغلبية اسكتلندا ضد «بريكست»، باستثناء دوائر مناطق صيد السمك. برلمان معلق قد يمنح الحزب «القومي» الاسكتلندي، ككتلة، قوة لفرض شروطهم لدخول ائتلاف مع أحزاب اليسار والليبراليين والقوميين الويلزيين، لو تمكنوا من تكرار نجاح 2015 عندما فازوا بـ56 مقعداً، وهو ما سيرفضه حزبا المعارضة: «العمال»، و«الديمقراطيون الأحرار»؛ فبرنامجهما ملتزم وحدةَ المملكة.