في مثل هذا الشهر، مايو/أيار من العام 1987، غامر شاب ألماني من هواة الطيران اسمه ماتياس روست بأن هبط بطائرة بالقرب من الساحة الحمراء في موسكو التي تشكل محيط مبنى الكرملين، المقر الحكومي الأهم في روسيا، وهي ساحة لها قيمتها الرمزية الكبيرة في تاريخ وحاضر روسيا، وبدأ هذا الطيار الشاب رحلته من منطقة قرب هامبورغ ليعبر عدداً من دول شمال أوروبا قبل أن يحل بموسكو، التي أتاها من فنلندا التي تزود فيها بالوقود، ولكنه أخفى وجهته التالية هناك، زاعماً أنه سيتوجه من هلسنكي إلى استوكهولم بالسويد.
أفلت ماتياس روست بأعجوبة من المقاتلات السوفييتية التي اعترضته، لكنها تركته يمر لعدم وجود أسلحة مثبتة على طائرته، وعند مروره فوق أحد المطارات العسكرية، ظنّ العاملون بجهاز الرادار والمراقبة أن الأخير طيار سوفييتي بصدد إجراء تدريبات روتينية، وكانت خطة روست النزول مباشرة بجانب الكرملين، لكنه خشي من ردة الفعل المحتملة فاختار الهبوط بالقرب من الساحة الحمراء، وانتهى الأمر باعتقاله والحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات، وأدت تلك المغامرة إلى إقالة العديد من كبار الضباط، بتهمة تقصيرهم في الحيلولة دون اختراق ذلك الطيار أجواء العاصمة والهبوط في ما يهدّد قدس أقداسها.
بعد مضيّ قرابة أربعة عقود على تلك الحادثة، ها هما طائرتان مسيرتان تحاولان استهداف الكرملين نفسه، فيما الحرب مستعرة بين موسكو وكييف، وخلف الأخيرة تقف بقوة دول «الناتو» داعمة ومؤازرة بالسلاح والعتاد والمعلومات. صحيح أنه لم تنجم عن العملية خسائر، لكن مجرد استهداف الكرملين، وما أدراك ما الكرملين؟، هو ضربة معنوية كبيرة لمهابة روسيا، في موقعها السيادي الأهم، الذي من أجله استدعى القيصر إيفان الثالث في القرن الخامس عشر، مهندسين معماريين من روسيا وإيطاليا لتحويله من مجرد قلعة عادية إلى مقر للأمراء والمطران، ليجمع بين تقاليد فن العمارة الروسي والهندسة المعمارية في عصر النهضة، وحين نقل البلاشفة، بعد مجيئهم للسلطة، العاصمة من بيتروغراد إلى موسكو، تحوّل الكرملين إلى عنوان السلطة والقوّة.
اتهمت موسكو كييف بتدبير هجوم المسيّرتين على القصر الحكومي الأول، فيما نفت كييف ذلك زاعمة أن الحكاية مفبركة من موسكو، لتبرير استهداف عسكري روسي متوقع لمواقع في العمق الأوكراني، لكن المرجح أن هناك ثغرات في الأمن القومي الروسي، عبر طابور داخلي مدعوم من خصوم موسكو في كييف وداعميها، يقف وراء العملية كما وقف مع عمليات تفجير واغتيالات لشخصيات في الأراضي الروسية.
- آخر تحديث :













التعليقات